كاريزما
< هذا أديب أهمله النقاد فى حياته؛ الاهتمام الكبير كان من السينما فقد تحولت الكثير من رواياته إلى أفلام ناجحة إلى جانب اعتراف المجمع اللغوى عام ١٩٤٧ وأعطته جائزة لقصة (لقيطة) كذلك وزارة المعارف عام ١٩٤٩ فقد منحته جائزة عن رواية (شجرة اللبلاب) ثم جائزة لرواية (بعد الغروب) فى نفس العام.
< محمد عبدالحليم عبدالله (١٩١٣–١٩٧٠) كان موهبة ادبية جديدة تمكن فى صمت وهدوء من حفر طريق خاص به فكان يخترق النفس البشرية ويرسم سيكلوجية علمية. غير تلك التى قدمها نجيب محفوظ أو احسان عبدالقدوس. لكنه بلغة شاعرية وصل إلى كل نجاحاته وتمكن من ترميز اشياء مجتمعية غير شائعة إلى لغة تحترم هذه اللحظات المختلقة من خلال همسات أبطال أعماله؛ تميزت رواياته ببعد فلسفى أيضًا.. خاصة فى روايات مثل (غصن الزيتون) التى تأسست على تحليل نفسى متقن لشخصية زوج غيور شكاك يرى العالم من بؤرة عينين كاذبتين تشوه الحقيقة وتجعلها كيانا مريضًا بغير ملامح حقيقية وبغير جذور؛ نجح عبدالحليم عبدالله فى تحليل شخصيات قصصه بأسلوب تأثر به فيما بعد الكثير من تلاميذه؛ أو بمعنى أكثر وضوحا ربما كل شباب كتاب القصة والرواية.. كان أسلوبه ولودا لا يشيخ مثمر دائما.
< روايات مثل (الوشاح الابيض) و(شمس الخريف) و(خيوط النور) و(شجرة اللبلاب) اتسعت فى فحواها لتكون عالمًا خاصًا به وحده؛ التهم أجواء احتفالية النفس البشرية بنجاحها وبسقوطها واحيانا بملامحها الهلامية الزائفة. لم يتمكن من الوصول فقط إلى مآربه بل تمكن من تسجيل تلك اللحظات العبقرية التى تكتبها الروح بأطياف من الخيال حين يتمكن من الإمساك به وتجسيده فى حروف.
< فى روايتيه (غرام حائر) و(عودة الغريب) روح أخرى تتملكه فقد فوجئنا بهذه التيمات الشعبية تتخفى وراء ستار من الرموز والإيحاءات البليغة التى بقدر بساطتها؛ بقدر تعقيد أركانها وألوانها وظلالها.
< محمد عبدالحليم عبدالله ولد فى قرية كفر بولين مركز كوم حمادة بمحافظة البحيرة؛ كانت أهم إبداعاته يكتبها فى القرية وسط الأرض الخضراء الممتدة وبين أصوات الطبيعة البكر التى لا تعرف التلوث أو التزييف.. كتب أعماله الإبداعية فى هدوء الرهبان وفى زهدهم -أيضًا- فلم ينل حظ رفاقه نجيب محفوظ أو إحسان أو ادريس؛ لم يكن يعرف كيف يروج كتاباته؛ واخترقت السينما رواياته بالمصادفة وحدها، فهو لا يسعى لأحد وتوالت نجاحات أفلامه مع كبار المخرجين. وبرغم هذا النجاح الفنى لم يرحمه نقاد الأدب. واختفى كما اختفى نقاده.
< حتى واقعة مصرعه كانت مأساوية؛ فكان ينتقل من قريته إلى القاهرة مستقلا سيارة أجرة وحين نزول الركاب تشاجر معه أحد الشباب المشاكس ولم يرد الكاتب الكبير فانهال الشاب البلطجى عليه بوابل من الشتائم والسباب ولم يحتمل الاديب المهذب فسقط ميتًا.