رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى

مبيض النحاس .. أشهر مهن تراثية باتت في طي النسيان بالمنيا

مبيض النحاس
مبيض النحاس

 دائمًا ما يحن الإنسان إلى زمان وأيام زمان، أيام البركة والبساطة والمحبة، أيام الحصير الزلق والحلف ووابور الجاز واللمبة الجاز، وأواني النحاس والهون، توارت أشياء كثيرة بفعل التطور والحداثة، وبرغم أنها مريحة إلا أن الإنسان مازال يحن لأيام زمان.

 وزمان ومنذ عقود عدة مضت كانت الأواني النحاسية الأكثر استخدامًا لبيوت الريفيين بقرى محافظة المنيا، والريف والمصرى عمومًا، وكانت جزءًا أساسيًا من «شوار العروس»، حيث كانت قيمة النحاس تالية مباشرة للذهب، فكان تباهي الريفيين بلمتلاكهم الذهب والنحاس،  وكان النحاس يمثل مخزونًا إستراتيجيًا للأزمات، فإذا ألمَّت بالعائلات أزمات مالية «تفُك زنقتها» بثمن النحاس، لأنه مخزن قيمة سعره غالبًا ما يزيد.

 وكانت مهنة «تبييض النحاس» من المهن المختلفة التي اختفى بعضها لأسباب كثيرة، أهمها التطور التكنولوجي الذى قضى على بعض المهن، منها مهنة مبيض النحاس، التي تعتبر من المهن التقليدية القديمة، حيث تعمل على تنظيف الأواني النحاسية وإزالة طبقة الصدأ السامة ثم طليها بطبقة من القصدير، وكانت هذه المهنة من المهن المنتشرة قديمًا، نظرًا لاستخدام الكثير من المنازل الأوانى النحاسية.

 ولكن مع تطور العصر، اختفت الأواني النحاسية وظهر بدلاً منها العديد من الأنواع المختلفة، مما دفع الكثير من أبناء مهنة تبييض النحاس التي توارثوها عن آبائهم وأجدادهم إلى البحث عن مهنة أخرى توفر لهم لقمة العيش بعدما تخلى الكثير من الناس عن الأوانى النحاسية.

 رغم عدم استخدام الكثير من الأشخاص الأواني النحاسية، لكن بعض أبناء المهنة مازالوا يعملون بها في شارع المعز لدين الله الفاطمى عدد من المحلات التي تعمل على تبييض الأوانى النحاسية، حيث يحضر المبيض الأواني النحاسية ويسخنها على النار ثم يضيف بداخلها الرمل ويفركها بقطعة من الجلد، بواسطة قدميه للتخلص من الصدأ ويستغرق ذلك وقتاً طويلاً وجهدًا من المبيض.

 ثم تذوب مادة القصدير مع النشادر ويفرك داخل الوعاء بواسطة قطعة من القطن، حتى تبيض الأوانى ومن ثم تفرك بالرمل وتغسل بالماء، وهذا كان الحال قديمًا، ولكن تطور طرق تبييض النحاس، وأصبحت تستخدم مواد مثل الأسيد ومادة روح الملح، التي ساعدت أكثر على تبييض النحاس.

 فكان «مُبيِّض النحاس» يتجول في قرى وعزب ونجوع المنيا، ويعلن عن قدومه لتأتيه النساء بأوعيتهن «المجنزرة»، أي التي اخضرَّ لونها، ويحط رحاله في مكان فضاء لعدة أيام، ويشتغل بحماس في تبييض الأواني النحاسية بقوة ليزيل عنها «الجنزار» الذي أصابها، ثم يضعها علي نار حامية ليتمكن من طليها بالقصدير وهي ساخنة.

 فالحرارة الشديدة تساعد على ذوبان القصدير وانتشاره على سطح النحاس والالتصاق الشديد به، وتساعد النشادر على اكتمال هذه العملية بسهولة، فتصبح الطبقة بيضاء وهذا سبب تسمية المهنة «مبيض» والقصدير كان يشكل طبقة عازلة للنحاس حتى لا يتفاعل مع الطعام ويفرز عناصر سامّة، وكان الجنزار دليلًا علي انتهاء مفعول القصدير، وإشارة لضرورة التبييض.

 وكان مبيض النحاس يحتاج إلي قدرة كبيرة على الاحتمال، ويلجأ الى الغناء الشجي والشعبي ويلتف حوله الأطفال والنحاس  فيعفيه من التأوه حتى لو كان الغناء غير مفهوم، المهم أن يتوافق مع حركة جسده، ويكون فعالًا في مقاومة حرارة النحاس، ولكي يحرك جسده بحرية وكأنه يؤدي «رقصة التويست»، فكان يقبض بيديه على شئ ثابت كشجرة أو جزع نخلة، وإذا أنجز الإناء يقفز قفزتين سريعتين ليعلن اكتمال تبييضه ليبدأ في آنية أخرى، ولا يغادر القرية حتى يكون أعفي أهلها وخلَّص أوانيها النحاسية من مخاطر الجنزار الأخضر.

 فللريفيون عادات وتقاليد تتوافق مع النحاس، فمثلًا (الهون  النحاس) الذي كان يستخدم قديمًا في فرم الكفتة، ودق الثوم، وتنعيم الملح، وكان يستخدم في مناسبات احتفالية مثل أسبوع الطفل، لإصداره رنينًا كنوع من الإيقاع الموسيقي أثناء الغناء للاحتفال بالمولود الجديد، وفي الزمن  القديم كان "جهاز" العروسة  أغلبه من النحاس فكان معظم الأواني، والأباريق، والطشت، حتى السرير من النحاس، وكانت العروسة المميزة والجميلة يتم شراء نحاس أحمر كجهاز لعش الزوجية، وفي قاهرة المعز كان هناك شارع خاص يطلق عليه اسم شارع النحاسين.

 فحين يتقدم شاب للزواج بفتاة فالاتفاق بين أهل العروسين على «النحاس» كان يرتبط بالكلام عن الذهب، فكما يُسأل عن جرامات الذهب التي سيقدمها لعروسه، تتم مفاوضته أيضًا على كم قنطارًا من النحاس يمكنه أن يشتريها للشوار. ليتمكن أهل العروسين من التباهي بالذهب والنحاس معًا أمام المجتمع بأواني الطهو، والإبريق، والصواني، و«طشوت الغسيل»، وغير ذلك من الآنيات النحاسية.

 ومن الطرائف المرتبطة بالنحاس، أن الريفيين كانوا إذا ضبطوا لصًا لدى أحدهم، كانوا «يُشيّلُونه نحاس البيت»، ويدورون به في شوارع القرية ليُجرسُوه بفعل السرقة، ومن هنا جاءت كلمة «زفُّوه بالنحاس» دلالة على فضيحة من يضبط بجريمة ويفتضح أمره بين الناس.

 وفي عام 1944 بمديرية المنيا، قام بعض الأهالي بتقديم شكوى للصحة والتموين، ضد مبيض النحاس لعدم الدقة وتسرع النحاسون في طلاء الأواني النحاسية، خشية تفشي الأمراض وعلل الأهالي شكواهم للصحة والتموين، أن النحاسين يستبدلون القصدير بمواد مصنعة في طلاء الأواني مقابل تقاضيهم أجورًا مرتفعة، وهذا الأمر به الكثير من الفتن على أصحابها والإرهاق الشديد على الفقراء، وأن الطلاء بغير القصدير سريع الزوال تصدأ بعده الآنية بعدة أيام قليلة، مؤكدين في شكواهم أن النحاس إذا صدئ علته طبقة من الزرنيخ قد تكون قاتلة.