نحو المستقبل
تحت هذا العنوان اللافت وعلى طريقة الفلاسفة الكبار وبلا هوامش ولاعنعنات قدم د. ظريف حسين محاولته الجريئة لبناء ما أسماه « الأخلاق الكونية « وبداية فنحن أمام كتاب فلسفى خالص يحمل بصمة وأسلوب صاحبه من الإهداء حتى كلمة الختام ، ومن ثم فلا تملك إلا الاعجاب به وبالجرأة التى تمتع بها فى طرح كل ما طرح به من قضايا ومشكلات مشتبكا مع الفلاسفة وأصحاب الرؤى الفلسفية الأخلاقية عبر تاريخ الفلسفة .
وبالطبع فإن القارئ المتخصص ربما يتساءل بداية : هل ثمة مايمكن أن نطلق عليه حقا أخلاقًا كونية ؟! ولماذا يدعوها الكاتب أخلاقا كونية وليست انسانية ؟! هل نحن بازاء مناقشة أخلاق للكون ككل أم للانسان ؟!
وإذا ماتجاوزنا عن هذه الملاحظة السريعه ودخلنا إلى عمق القضايا المطروحه لوجدنا أن الكاتب قدم رؤيته للأخلاق الكونية تلك مستندا إلى ما أطلق عليه مبادئ كونية الأخلاق وهى : التداولية والمبدأ الطبيعى الذى يعنى انسانية الأخلاق وصدورها عن مجمل تجارب الانسان الحياتية ومبدأ التنوع الأخلاقى ومبدأ مراعاة الوضع الحالى وتبدل مفهوم الخير والشر الخ. . وهنا يجد القارئ نفسه يتوقف ليتساءل مرة أخرى : كيف نبحث عن المطلق والكونى ونحن نتحدث عن التنوع والاختلاف ونسبية التجارب الحياتية المؤسسة لمبادئ الأخلاق الانسانية ؟!
على كل حال لقد حاول د.ظريف فى نهاية كتابه أن يقدم خطة للاصلاح الأخلاقى عبر خطوات محددة مستفيدا – كما قال - من كل الثقافات الراسخة فى العالم والتى حصرها فى سبع عشرة فضيلة تبدأ بالشهامة والأريحية والميل الى مساعدة الآخرين والعدالة والانصاف وانتهاء بثقافة نشر السلام بين الناس ، وتلك فى ضوء تحليله المسهب للمفاهيم والنظريات الأخلاقية عبر أربعة فصول تحدث فى أولها عن إعادة تعريف الأخلاق ، وفى الثانى عن الأساس الطبيعى للأخلاق وفى الثالث عن تحليل الفعل الأخلاقى ، وفى الرابع عن محركات الخير والشر، أما الفصل الأخير فقد خصصه للحديث عن كونية الأخلاق، وفى ثنايا هذه الفصول تعرض لكل مايمكن تصوره من القضايا الاخلاقية بحرفية شديدة بدءا من علاقة الأخلاق بالدين والقانون وانتهاء بقضايا اصلاح المجتمع والبيئة والمرأة وأصل الرذيلة وفكرة الكمال الاخلاقى والكمال الشخصى وفلسفة الفعل والربط بين الأخلاق النظرية والأخلاق التطبيقية ، وفى الختام كان تساؤله الكاشف: هل ننجح فى تصميم آلية سلوكية تجعل الأفراد حساسين دائما من مجرد الاقتراب من مساس النظام الأخلاقى عوضا عن انتهاكه وبطريقة تشبه الآلية التى تعمل بها الوساوس القهرية ولكن لأهداف ايجابية فيحترم الموطنون اشارات المرور مثلا حتى لو لم تكن هناك رقابة حكومية عليهم من أى نوع ؟!
إن مجرد طرح مثل هذا السؤال يعنى أن كاتبنا يبحث لا عن أخلاق كونية سامية شامله بقدر ما يبحث عن أخلاق ميكانيكية توجه سلوك البشر نحو الحفاظ على القوانين واصلاح سلوكهم باكتساب عادات جديدة تحسن سلوكهم بعد كثير عناء وطول مران على حد تعبيره ، إنه يبحث عن أخلاق مؤسسة – كما يقول- على قيم النبالة الشخصية والقيم العلمية الواعده بتوليد المزيد من القيم الانسانية التى من شأنها غل يد الانسان عن قتل الأرض بالاستغلال والاستنزاف والإقرار بما للأشياء من كرامة لاتقل كثيرا عن كرامتنا !.
وعموما فقد أنهى الكاتب كتابه بنفس الهاجس الذى بدأ به حيث كان سؤاله المبدئى شبيها بسؤال جان جاك روسو الشهير: لماذا لايتحسن الانسان أخلاقيا رغم تقدمه المطرد عقلانيا ؟! متناسيا أنه هو نفسه قد أجاب على السؤال من البداية حينما قال : إن مساوئ الناس دائمة وهى لاتتغير إلا فى أشكالها تماما مثل الطاقة الفيزيائية التى لاتفنى ولاتستحدث من العدم ولكنها تتحول إلى صورة أخرى دائما .
ومن هنا ولنفس السبب ياصديقى تبطل فرضية البحث عن أخلاق كونية أو انسانية شاملة ؛ فلا الانسان ذئب لأخيه الانسان كما قال هوبز ولاهو ملاك يمشى على الأرض كما ينشده ويتمناه أصحاب نظرية الكمال الأخلاقى ، إنه فقط انسان يخطئ دوما فى حق أخيه الانسان وان كان بامكانه لو – أراد - إصلاح الخطأ ، وهذا مايمكن قوله ليس فقط على مستوى الأفراد، بل أيضا على مستوى الدول والشعوب !!