رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

أوراق مسافرة

 

سأعترف أنى ترددت قبل كتابة هذه الكلمات، وسألت نفسى بالبلدى « وهمّ مالهم، ذنبهم أيه؟» أقصد القراء، ذنبهم إيه يعرفون ما تعانيه فئات الصحفيين - إلا قليلاً-، ذنبهم إيه يقرأون عن آلامنا وأوجاعنا ومعاناتنا؟، وقد اعتدنا نصمت عما بنا لنكتب عنهم، أو هل يسمح للطبيب أن يشكو من مرض وألم ودوره مداواة آلام الناس وسماع شكواهم، لكن الانصاف انتصر على رغبة المداراة، فكما نكتب عن ما يمس المجتمع، يجدر أن نكتب عما يمسنا، فلا يكون باب « النجار مخلع» عملاً بالمثل الشعبى الشهير.

ولا فرار أن مشاكلنا وأوجاعنا معشر الصحفيين كثيرة وهائلة، متراكمه داخل مياه راكدة، تحركها بعض الأحداث بين حين وآخر، فتطفو إلى السطح بإلحاح، ثم لا تلبت أن تتوارى خجلا كالزبد الذى تزيحه الأمواج، إما لأن لا احد يستجيب أو يسمع أو يحل، وإما لأن هموم المجتمع والكتابة عنه أولى منا، ولكن للأسف هذه المرة هاجت شجوننا وأوجاعنا مع الحادث المؤلم الذى أقدم عليه زميلنا عماد الفقى بإنهاء حياته داخل مؤسسة عمل بها أهم سنوات شبابه، وأعطى لها الكثير، وبعيداً عن اللغط وإلقاء التهم جزافاً، وصول إنسان إلى اختيار الموت طوعاً وبصورة قاسية على هذا النحو، تعنى انه فقد كل قدرة على الاحتمال، يعنى قنوطه من عدالة الدنيا وعدم احتماله المزيد من القهر النفسى والظلم، يعنى انه عانى طويلاً دون أن يشعر به أو يسانده احد، صار مدمراً، ميتاً، مجرد جثة تتحرك، يعنى انه كره تمثيل الحياة وارتداء قناع الابتسامة والرضا وهو ميت الروح، يعنى وصوله إلى نقطة اللارجوع ولقناعة أخيرة بأنه قد يجد فى الموت السلام الذى لم يجده فى الحياة.

 وبديهى، تختلف قوة احتمال احدنا عن الآخر، منا من يحتمل المشاكل والألم والظلم، ويصبر ويحتسب بعد أن تعييه وسائل الدفاع عن حقوقه ويصل لطريق مسدود، فيرفع قضيته للقاضى الأعلى الله، وينتظر الحكم العادل وجزاء الصبر مواصلاً حياته منطفئ الوهج، فاقد الشغف، فقط يؤدى واجبه المطلوب دونما أى حماس، ومنا من يتملك منه اليأس بقسوة، وتكون النهاية إحدى الأسوأين، السقوط فى مرض عضال نفسى أو بدنى، واغلبنا كصحفيين مرضى بالضغط، السكر وأمراض القلب والسرطان، فـ» الصحافة مهنة تأكل أبناءها» وإما يكون اللجوء إلى ما فعله زميلنا المرحوم عماد، الانتحار، وفى كلتا الحالتين، الموت المبكر هو ما نصل إليه، نتيجة متاعب المهنة ومشاعر الإحباط المتكرر، حقاً الأعمار بيد الله، ولكنها أسباب تعجل بالأجل.

وإذا كان لكل مهنة فى الدنيا متاعبها، فإن الصحافة الوحيدة التى استأثرت عن حق بمصطلح « مهنة البحث عن المتاعب»، وأتحدث هنا عن الصحافة الحقيقية، وليس الأشكال الممسوخة والمشوهة منها والتى تمطت وتنطعت فى السنوات الأخيرة، أتحدث عن صحافة الجرى فى الشوارع والبحث عن الحقيقة، صحافة السبق الخبرى المتميز، والتحقيق الميدانى والاستقصائى، والغوص بجرأة فى مشاكل المواطنين، والكشف بكل شجاعة عن مواطن الفساد والمفسدين، أتحدث عن الصحافة الخدمية التى تعلى مصلحة المواطن، ولا يهمها فى ذلك ترضية مسئول متقاعس، ولا الطبطة ولا التطبيل، ومن يمارسون الصحافة الحقيقية على أصولها، هم غالبًا من يعانون متاعب المهنة وآلامها ومشاكلها، وهم من يحملون أقلامهم كسيوف الحق ويدفعون الثمن من صحتهم ووقتهم وجهدهم وكل عمرهم، لأن ضميرهم اليقظ دوماً، ودماءهم الحارة، تجعلهم فى صراع يومى مع ما يجب أن يكون ويريدون كتابته، ومع ما يفرض عليهم من قيود مرئية وغير مرئية داخل المؤسسة الصحفية أو خارجها من رفض لكتاباتهم أو إقصاء وتهميش. وللحديث بقية...

--

[email protected]