اهتم المصريون القدماء بالأطفال والطفولة اهتمامًا كبيرًا. وكان التمني بكثرة الأطفال من بين الأمنيات التي كان يدعو بها الجميع، كي تحفظ الآلهة الوطن بكثرة أبنائه من البنين والبنات والذين كانت لهم القدرة على بناء وتعمير أرض مصر الطيبة وخلافة وخدمة الآباء بعد رحيلهم، سواء أكانوا ملوكًا أو من النبلاء أو من الأفراد العاديين.
وعاش الأطفال في مصر الفرعونية حياة سعيدة. فكانت الأسرة تختار للابن أو الابنة اسمًا جميلاً يعكس ارتباطًا دينيًا وتعلقًا بعالم الآلهة والأرباب. فأطلقوا على بعض الأبناء اسم «باك آمون» أي «خادم آمون» وعلى الابنة «ميريت آمون» بمعنى «محبوبة آمون»، أو كانوا يطلقون على البنات أسماء «نفرت» أي «الجميلة» أو «نفرتاري» أي «حلاوتهم» أو «حنوت سن» بمعنى «ستهم». وكانت الأم في الطبقات الدنيا تقوم بإرضاع أطفالها، بينما كانت تقوم بذلك المرضعات في طبقة النبلاء والملوك، وكان للمرضعات دور كبير في بيوت النبلاء وفي قصور الملوك. وحصلن على كل تقدير من أهل تلك البيوت.
وكعادة المصريين، كانت الأمهات تحمي أطفالها من الحسد والأمراض باستخدام التعاويذ والرقى السحرية والتمائم ووضعها حول رقبة الطفل لدفع الحسد ولدرء الأمراض عنه، فضلاً عن وجود عدد من الربات الحاميات للأطفال أمثال تاورت وحقات واللاتي كانت الأمهات تعول عليهن كثيرًا لحماية أطفالهن. وتم تصوير الأطفال من الذكور والإناث عراة يضعون أصابعهم في أفواههم ربما طلبًا للرضاعة أو للتعبير عن طفولتهم. وكان يتم تصوير الطفل واقفًا إلى جوار والده والبنت جاثية على ركبتيها أو واقفة. وكان يتم تصوير الأم ترضع طفلها أو تمشط شعر طفلتها. وحرص الآباء على صحة ونظافة ووقاية أبدان أطفالهم من الأمراض.
وتمتع الأطفال في مصر القديمة بقدر وافر من التعليم وتحديدًا في طبقات الحكم والنبلاء؛ فكان يتم تعليم الأطفال وإلحاقهم بـ«بر عنخ» أي «بيت الحياة»؛ كي يتعلموا علوم وفنون الدنيا والدين، ويصبحوا قادرين على إدارة الدولة مدنيًا ودينيًا وعسكريًا. وحرص الآباء على تعليم أبنائهم السلوك الحسن والأفعال الطيبة التي سوف تنفعهم في حياتهم الدنيا وفي الآخرة. وكان يتم توجيه النصائح والحكم والوصايا والتعاليم لهم، كي يتحلى الأبناء بالورع والتسامح وفعل الخير وحب الوالدين ومساعدة الآخرين والأمانة والإخلاص وغيرها الكثير. وكان الملوك يفعلون ذلك؛ مثلما فعل الملك أمنمحات الأول ناصحًا ابنه الملك سنوسرت الأول، وكذلك فعل الحكام أمثال كاجمني وأمنموبي وبتاح حتب الذي قال :«لا تزهُ بعلمك، ولا تفتخر بنفسك، فتقول إني أعلم».
وتمتع الأطفال في مصر القديمة بطفولة سعيدة من خلال ممارسة العديد من الألعاب البدنية والذهنية التي ساهمت بشكل كبير في تفتح مداركهم وزيادة وعيهم، وتبلور مواهبهم وإبراز ميولهم وإمكاناتهم العلمية والعقلية والإبداعية.
هذه هي مصر القديمة التي علّمت العالم كله.
--
مدير متحف الآثار- مكتبة الإسكندرية