لقد كانت مصر في موعد مع القدر حتى يمن عليها بواحد من أفضل الملوك المحاربين ودهاة الملوك السياسيين، وأعني الملك بسماتيك الأول الذي تولى حكم مصر في فترة عصيبة في عصرها المتأخر، وقاد مصر إلى المجد والقوة والنهضة ثانية، فكانت أشبه بابتسامة مبتسرة قبل أن يتم إسدال الستار على تاريخ وحضارة مصر الفرعونية، وقبل أن تتحول إلى مملكة يحكمها الغرباء، وأعني الإسكندر الأكبر وخلفاءه من الملوك البطالمة. وحقيقة، فمن رحم الموت، تولد الحياة، ومن هول وفجاعة الانهيار، تنبعث النهضة، ومن خضم المعاناة والفرقة والمأساة، تتحق الوحدة والأمجاد والانتصارات.
وبفرض قبضة الآشوريين القوية على حكم مصر بعد هروب الكوشيين أو النوبيين إلى بلادهم الكوشية أو النوبية البعيدة، انتهت الأسرة الخامسة والعشرون الكوشية أو النوبية للأبد، وبدأت في التشكل والظهور الأسرة السادسة والعشرون الصاوية المصرية الوطنية تحت حكم الآشوريين، حين قام الآشوريون بقيادة ملكهم الأشهر آشوربانيبال بتعيين نكاو أو نخاو، أو نكاو أو نخاو الأول كحاكم على مدينة سايس وابنه بسماتيك الأول كحاكم على مدينة أثريب أو أتريب بالقرب من بنها في القليوبية في الدلتا. وقام الملوك الصاويون بفرض سيطرتهم على الدلتا شيئًا فشيئًا كحكام تابعين للآشوريين. وفي عام 664 قبل الميلاد، مات نكاو أو نخاو الأول، فقام الآشوريون بتعيين ابنه بسماتيك الأول كملك على مصر ككل.
ولم يكن صعبًا على الملك العسكري والسياسي المحنك بسماتيك الأول أن يسيطر على الدلتا التي جاء منها، خصوصًا أن أمراء الدلتا كانوا ضعافًا وحكامها لم يكونوا يشكلون أية خطورة تُذكر عليه وتحديدًا بعد أن مهد له أبوه الحكم أثناء فترة تبعيته للحكم الآشوري، غير أن الصعوبة الحقيقية التي واجهها الملك بسماتيك الأول كانت هي كيفية سيطرته على الصعيد المصري البعيد عن الدلتا والعصي على السيطرة والاعتراف بحكمه، وتحديدًا مدينة طيبة العاصمة الدينية العريقة ومركز عبادة الرب الأكبر الإله آمون.
غير أن الملك بسماتيك الأول أثبت أنه سياسي محنك ورجل دولة من طراز رفيع؛ ففي عام 656 قبل ميلاد السيد المسيح، قام بإرسال ابنته الأميرة نيوت إقرت أو نيوتكريس إلى الجنوب، إلى طيبة عاصمة مصر الدينية الكبرى، كي يتم تعيينها كزوجة مستقبلية للإله آمون رب طيبة الأعظم، في معبد الإله آمون بالمدينة، وكي يضمن السيطرة الدينية ومن ثم السياسية على طيبة وعلى الجنوب وعلى معبد الإله آمون وكهنته المسيطرين ودولته ذات الأوقاف والإقطاعيات والهبات والمؤسسات الاقتصادية القوية والمتحكمة في الجنوب وفي مصر ككل. وكذلك كان بسماتيك الأول من الذكاء بمكان حين استخدم نبلاء الجنوب، ولم يعادِ منهم أحدًا، وكان من بين أهمهم، والذي استخدمه كي يدعم حكمه وحكم ابنته في الجنوب بعد قيامه بخطوة تعيينها بمعبد الإله آمون، مونتو إم حات، عمدة طيبة القوي النبيل والكاهن الرابع للإله آمون. وكان بسماتيك رجل دولة مميزًا حين لم يخلع زوجتَي الإله آمون الحاليتين من الأسرة السابقة، أي الأسرة الخامسة والعشرين الكوشية أو النوبية والتي هرب ملوكها إلى الجنوب، وهما شبن أوبت الثانية وآمون إرديس الثانية؛ وذلك حتى لا يدخل في محظور ديني يفقد به ما أراد تحقيقه من تعيين ابنته كزوجة مستقبلية للإله بعد موتهما. وهكذا سيطر بسماتيك الأول على الدلتا أولاً، ثم على الصعيد ثانيًا من خلال تعيين ابنته في طيبة في ذلك المنصب الديني والدنيوي المهم، وكذلك عدم معاداة البيت الكوشي الحاكم دينيًا في الجنوب أو معاداة نبلاء الجنوب الذين دعموا سيطرتهم وأيدوا سلطانه على الجنوب.
وحكم بسماتيك الأول مصر لمدة تزيد على النصف قرن حوالي 54 عامًا، أعاد مصر فيها إلى عصر الاستقرار والقيم الدينية الراسخة في عقيدة المصريين القدماء.
بسماتيك الأول ملك مصري محارب وسياسي ورجل دولة من طراز رفيع حقق لمصر مجدها وناطح القوى الإقليمية الكبرى، وجعل لمصر مكانها في عالمي الشرق الأدنى القديم والبحر المتوسط وحقق عصر النهضة الصاوية في فترة متقلبة من تاريخ مصر القديمة، فكان نعم الفرعون الموحد لمصر العظيمة والمجدد لثقافتها والمعيد لمجدها الخالد.
---
مدير متحف الآثار- مكتبة الإسكندرية