حكاية وطن
دخل الميراث من أوسع أبواب الجرائم المروعة، تحدى الشريعة والقانون، وكسر إشارة الحقوق والواجبات، وسار عكس اتجاه القيم والمبادئ، وركن الفتاوى والخطب فى طريق مظلم، وحطم ميكروفونات مؤتمرات الصلح والتوفيق، وأثبت أن التبويس ونحر الذبائح فى جلسات تطييب الخواطر فى حضور رجال الدين والأمن والعمد والمشايخ ما هى إلا مسكنات لا تفيد مع الأورام التى تكونت فى جدار المجتمع نتيجة الطمع والجشع والعقوق والتنكر لصلة الرحم، وأصبح السلاح بأنواعه هو المتحدث الرسمى باسم أكلة حقوق اليتامى والأرامل والذين لا حول ولا قوة لهم من النساء والفتيات اللائى هُنَّ على الأشقاء وأصبح التنكيل بهن وسيلة لحرمانهن من الميراث.
مع أن الله قسم الميراث بنفسه وأنزله قرآنًا عربيًا، ووضع القرآن الكريم ضوابط وتفسيرات واضحة لكل الأنصبة والحصص للذكور والاناث والأمهات والأقارب ولكل من له حق شرعى فى الميراث، كما نظمت الشريعة الاسلامية قضية الميراث بدقة وحددت الأنصبة فى كل الحالات بموجب نصوص قرآنية، ورغم أن القانون الصادر من مجلس النواب عام 2017 غلظ عقوبة الامتناع عن تسليم أحد الورثة نصيبه إلى السجن مدة لا تقل عن 6 أشهر وغرامة لا تقل عن 20 ألف جنيه ولا تجاوز 100 ألف جنيه، ورغم صدور أول حكم بعد التطبيق الفعلى للقانون بحبس رجل رفض توزيع الميراث على شقيقاته بعد وفاة الأم والأب، رغم ذلك فإن اشكالية الميراث زادت من حدتها ولا يكاد يمر يوم إلا وتقع جريمة قتل وراءها خلافات تقسيم الميراث، ووصل الأمر إلى قيام الابن بقتل أمه وأبيه، والشقيق بإشعال النار فى شقيقته، حتى وصل إلى قيام بعض الأشقاء بتلفيق قضية آداب لشقيقتهم لارغامها على التنازل عن ميراثها، وأصبحت جرائم الميراث فى زيادة مستمرة، خاصة فى الأرياف ويأتى الصعيد فى المقدمة منها مما يتطلب وقفة من قيادات المجتمع المدنى أكثر ايجابية، لنشر ثقافة الاعتراف بحقوق الورثة عند الذين يكوشون على التركة، وفى الغالب الأخ الكبير الذى تقع عليه مسئولية اعطاء الحقوق لأصحابها من اشقائه قبل أن يتحول إلى طعام للدود فى قبره المظلم الذى يقوده إلى نار جهنم.
خلافات الميراث سببها موروثات اجتماعية ليس لها أساس من الشرع أو القانون، وخبئية أفكار تتحكم فيها العادات الاجتماعية، والثقافات المتردية ورثها الناس من جهلهم بالشريعة الوسطية، وتشتد أزمة الميراث مع صعوبة الظروف الاقتصادية وطغيان القيم المادية وتآكل صلات الرحم، كما تدخل فيها الثقافة الذكورية التى درجت فى بعض المناطق على حرمان الإناث من الميراث لعدم ذهاب هذه الحقوق إلى عائلات أخرى، ما شجع بعض العائلات على عدم تزويج بناتها خارج العائلة، كما تفشت ظاهرة طمع الأخ الأكبر الذى يعتقد أنه قام بجمع الثروة مع والده فى الحصول على قطع أراض مميزة عن اشقائه، وكذلك رغبة بعض الأشقاء المتفرغين للزراعة فى حرمان اشقائهم الذين أكملوا تعليمهم من الميراث بحجة الانفاق عليهم خلال فترة الدراسة، ولا يخفى عن هذه الأزمة، أزمة الميراث، دور الزوجات فى تحريض أزواجهن على اشقائهم لحرمانهم من الميراث أو منحهم أقل من حقوقهم الشرعية.
الدراما التليفزيونية والسينمائية الفاسدة أيضًا كان لها دور كبير فى الصراع على الميراث، وتظهر البطل فى الاستيلاء على حقوق اشقائه بكافة السبل، ما يجعله يتحول إلى قدوة لضعاف النفوس الذين يقومون بتقليده، وتعمقت الدراما خاصة الرمضانية فى الفترة الأخيرة فى تقديم مسلسلات الصراع على الزعامة والميراث والتكويش التى تحولت إلى واقع فى المجتمع عندما يصبح البطل شريرًا يغتصب حقوق الآخرين.
استفحال ظاهرة القتل من أجل الميراث خطر على السلام الاجتماعى، وتتطلب وسائل جديدة لوقفها واقناع الناس بأن الميراث تحكمه الشريعة الاسلامية ولا يحتاج إلى جدال أو صراع، ويقع الدور الأكبر على الأزهر والأوقاف فى تقديم خطاب دينى قادر على حل مشكلات الناس بلغة مفهومة وبسيطة ويكون ملمًا بقضايا العصر بعيدًا عن المؤتمرات والندوات التى أصبحت غير مجدية فى ظل التطور الخطير فى الجرائم من أجل الميراث.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض