رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

 

 

 

هل كان هناك حج فى مصر القديمة؟ هل كان المصريون القدماء يحجون إلى إله معين ويزورن بيته ويطوفون بمقامه المقدس؟ نعرف أن المصريين القدماء قاموا بالحج إلى منطقة أبيدوس أو العرابة المدفونة فى مركز البلينا فى محافظة سوهاج فى صعيد مصر الغالى بداية من النصف الثانى من الأسرة الثانية عشرة (منذ عام 1991 - 1802 قبل ميلاد السيد المسيح عليه السلام) من عصر الدولة الوسطى على الأقل. وقد أخذ الحجاج المصريون القدماء يتوافدون على أبيدوس من جميع أنحاء مصر القديمة كى يشهدوا الاحتفال السنوى بمعبودهم الأكبر الإله المصرى القديم أوزيريس سيد الموتى والأبدية والعالم الآخر.

ومن لوحة الموظف الكبير «إيخرنفرت» الشهير من عهد الملك سنوسرت الثالث والمحفوظة فى متحف برلين، نعرف ماذا كان يحدث فى ذلك الاحتفال. ويقول «إيخرنفرت»: «فعلت كل شيء طلبه جلالته، ونفذت أمر سيدى من أجل أبيه، أوزيريس - خنتى إمنتيو، سيد أبيدوس، عظيم القوة، الموجود فى إقليم ثني. وكان الابن المحبوب من أبيه أوزيريس - خنتى إمنتيو. وزينت مركبه الخالد العظيم، وصنعت لها مقصورة تظهر وتشرق بحسن وبهاء خنتى إمنتيو، من الذهب، والفضة، واللازورد، والبرونز، وخشب السدر. وصاحبت المعبودات فى رحلتها. وصنعت مقاصيرها المقدسة من جديد. وجعلت الكهنة يمارسون واجباتهم بحب، وأن يعرفوا طقوس كل يوم، عيد رأس السنة. وسيطرت على العمل فوق المركب، وزينت المقصورة وصدر سيد أبيدوس باللازورد والفيروز، والشفاه الإلهية بكل حجر كريم. وغيرت ملابس الإله فى حضوره... ونظفت ذراعه وأصابعه. ونظمت خروج الإله «وب واووت»، فاتح الطرق العظيم، عندما قرر الانتقام لأبيه، وطردت المتمردين من المركب، وهزمت أعداء أوزيريس.

واحتفلت بذلك الخروج العظيم، وتبعت الإله عند ذهابه، وجعلت المركب يبحر، وأدار الدفة الإله جحوتى (رب الحكمة). وأمددت المركب بمقصورة وبالزينات الجميلة الخاصة بأوزيريس عندما تقدم إلى منطقة «باقر» (منطقة فى أبيدوس). وأرشدت الإله للطرق التى تقوده إلى مقبرته فى منطقة «باقر». وانتقمت لـ«ون نفر» (اسم من أسماء «أوزيريس») فى ذلك اليوم ذى القتال العظيم، فطردت كل أعدائه من على الشاطئين. وجعلته يتقدم فى مركبه العظيم. وأخرجت للناس جماله. وجعلت أصحاب المقابر فى الصحراء الشرقية سعداء. وشاهدوا جمال المركب وهى تتوقف بأبيدوس، عندما أحضرت أوزيريس - خنتى إمنتيو إلى قصره، وتبعت الإله إلى بيته، وقمت بتطهيره، وأوسعت له مقعده، وحللت له كل مشكلات إقامته بين حاشيته المقدسة».

وتم تحديد موقع مقبرة أوزيريس فى منطقة «باقر» التى يبدو بوضوح أنها ليس أكثر من منطقة أم الجعاب نفسها التى بها جبانة ملوك مصر الأوائل فى منطقة أبيدوس. وفى وقت ما من عصر الدولة الوسطى، تم اعتبار إحدى المقابر الملكية القديمة على أنها مقبرة الإله أوزيريس، غير أن ذلك الاقتراح لم يكن له ما يدعمه، والأكثر منطقية أن تكون جبانة أم الجعاب، ومن باب أولى أن أوزيريس تم دفنه بها. واعتبرت مقبرة الملك «جر»، من ملوك مصر الأوائل،  مقبرة أوزيريس؛ لوجودها فى مقدمة الجبانة، وذلك أنسب للحجاج المصريين القدماء حتى يمارسوا احتفالهم السنوى بمعبودهم أوزيريس وحجهم إليه من كل فج عميق من أرض مصر المباركة.

ومع نهاية الأسرة الثانية عشرة وبداية الأسرة الثالثة عشرة، زادت مساحة الجبانة بشكل كبير وامتدت نحو «1.5 كم» إلى الجنوب الغربى من قرية كوم السلطان الحالية فى أبيدوس. وأصبحت أبيدوس المركز الرئيسى لعبادة الإله أوزيريس، ورغب كثير من المصريين فى أن يتم دفنهم فى أبيدوس بجوار معبودهم الأكبر الإله أوزيريس؛ حتى ينعموا برفقته فى العالم الآخر، أو على الأقل كانوا يتركون أشياءهم التذكارية فى ذلك المكان المقدس بين معبد أوزيريس ومقبرته؛ حتى تبقى أشياؤهم علامة وذكرى على حجهم المبارك إلى مقام ربهم الأعظم الإله أوزيريس المقدس.

هذه مصر التى علمت العالم كل شيء.

--

مدير متحف الآثار- مكتبة الإسكندرية

[email protected]