تعد مدينة الإسكندرية العالمية، بنت الإسكندر الأكبر، هى مجد الثقافة وحاضرة التاريخ ومبدعة الحضارة. وكانت الإسكندرية مدينة متميزة طوال عصورها التاريخية منذ أيام التأسيس في عهد الإسكندر الأكبر وفى العصر البطلمى من آثاره الجميلة، أو ما يعرف بالعصر الهيللينستى حين امتزجت حضارة الشرق مع حضارة الغرب على أرض مصر الخالدة. وفى ذلك العصر، تحولت مصر إلى دولة بل إمبراطورية ذات طبيعة مزدوجة تجمع بين العنصر الهيلليني، الممثل فى المحتل الوافد الذى كانت تربطه صلات قوية وقديمة وعديدة بمصر القديمة، والعنصر الشرقى ممثلاً فى مصر الفرعونية وحضارتها العريقة التى أبهرت الوافد البطلمى وجعلته يتأثر بها للغاية. وفى النهاية، نتجت حضارة جديدة هى الحضارة الهيللينستية التى جمعت بين حضارة اليونان القديم ومصر القديمة.
وقام الملوك البطالمة باستكمال ما بدأه الإسكندر الأكبر فى مصر ولكن من خلال منظور واقعى سعى إلى تكوين إمبراطورية وراثية فى الشرق الأدنى القديم. وظهر ذلك جليًا وبوضوح الشمس فى كبد السماء فى آثار مصر فى مدينة الإسكندرية الساحرة التى طغت بآثارها الخالدة على ما عداها من آثار مدن البحر المتوسط. ووصلت مصر إلى مستوى ثقافى متقدم. وأصبحت مدينة الإسكندرية ومكتبتها العامرة من أهم المراكز الثقافية والحضارية فى عالم البحر المتوسط.
واهتم الملوك البطالمة بمصر الأخرى ومدنها، وأعنى مدن مصر الوسطى وصعيد مصر. وانتشرت المعابد المصرية فى ذلك العصر فى عدد كبير من مدن ومراكز صعيد مصر الحضارية. وعبر الفن فى ذلك العصر عن روح جديدة مزجت بين الموروث المصرى القديم. وأضاف صفات وسمات جديدة حتى يناسب الجميع: مصريين ويونانيين يعيشون على الأرض المصرية العظيمة. تلك روح مصر التى تحول الوافد إلى مصرى وتجعله يسعد بروحها الحضارية التى ليس لها مثيل فى العالم أجمع. ثم جاء العصر الرومانى ومن بعده العصر الإسلامى والعصر الحديث والعصر المعاصر، وظلت الإسكندرية المدينة الحضارية والثقافية المبهرة دائمًا وأبدًا.
لقد تجذر التاريخ فى أرض مدينة الإسكندرية العالمية الخالدة، ابنة الإسكندر الأكبر الوحيدة الكبرى، وتقدير البطالمة للمرأة حين شاركت فى الحكم ملكات الإسكندرية البطلميات الجميلات القويات، وقمن بأدوارهن الملكية مثل الملوك البطالمة من الرجال، أو حين انفردن بالحكم مثل الملكة الأجمل والأشهر والأعظم فى التاريخ على الإطلاق، الملكة المصرية السكندرية البطلمية كليوباترا السابعة الذكية والقوية.
وفى ظنى ويقيني، أنه لا توجد مدينة فى العالم كله قد تمتعت، وما تزال، بما تمتعت به مدينة الإسكندرية العالمية من صنع وعشق للتاريخ، وتقدير واحترام وتحرير للمرأة، وإنتاج آثار، واحتضان للمتاحف، وتعايش وتسامح بين الأديان والثقافات والجنسيات وإبداع للثقافة والحضارة.
وفى رأيي، إن هذا هو دور ورسالة مدينة الإسكندرية الخالدة منذ أقدم العصور، وإلى الآن، دائمًا وأبدًا، وكما أراد لها مؤسسها، الفاتح العظيم الإسكندر الأكبر، وكان له ما أراد، وتحقق له ما حلم به، وخرج إلى الوجود ما تمنى بصدق وجرأة وجدة فى العالم القديم آنذاك، والذى لم يكن أهله من الإغريق يرون أحدًا غيرهم فى الكون كله، بيد أن الإسكندر الأكبر غيّر الكثير من المفاهيم، وجعل من العالم شرقه وغربه وحدة واحدة تحت زعامة وقيادة ورئاسة مدينته الخالدة، مدينة الإسكندرية الكوزموبوليتانية منذ عهد الإسكندر الأكبر وأبدًا أبدًا.
فتحية حب وتقدير وعشق وهيام لمدينة الإسكندرية العالمية الساحرة وأهلها الكرام منذ زمن الإسكندر الأكبر، المؤسس التاريخى الأول لها، ومن قبله حين كانت قرية بسيطة فى أيام الفراعنة، وإلى الآن، وإلى أن يرث الله سبحانه وتعالى الأرض وما عليها.
--
مدير متحف الآثار- مكتبة الإسكندرية