مثل نهر النيل هبة الآلهة. وكان موسم فيضانه يبدأ مع ظهور النجم الساطع، وعندما يفيض يجلب الرخاء والخصوبة، والآلهة تسيطر على النهر، وكان الإله «خنوم» هو رب الماء يجلب الرخاء ويخلق البشر من طمى النيل. وكان الإله «حعبى» يسيطر على فيضان النيل. ونظر قدماء المصريين إلى كل من النيل والحياة بوصفهما مترادفين. ونظموا حياتهم اليومية بالاعتماد على ارتفاع وانخفاض منسوب مياهه، فأصبح النيل يحدد التقويم المصرى بمواسمه الثلاثة: الفيضان، والزراعة، والحصاد. وكان الإلهان الرئيسان فى هذا الأمر هما «خنوم» و «حعبى» الأول هو رب الماء. والثانى هو المسيطر على فيضان النيل. ومن بين الأناشيد التى كان يوجهها المصريون للإله «حعبى» ما يلى:
«فليحيا الإله الكامل، الذى فى الأمواه، إنه غذاء مصر وطعامها ومؤونتها، إنه يسمح لكل امرئ أن يحيا، الوفرة على طريقه، والغذاء على أصابعه، وعندما يعود يفرح البشر، كل البشر».
ووضع المصريون ما يعرف اصطلاحًا بـ«التقويم النيلى»، الذى يبدأ ببداية الفيضان، عندما تصل المياه إلى منطقة محددة. كما لاحظ المصريون القدماء اقتران الفيضان بحدوث ظاهرة سماوية وهى ظهور نجم الشعرى اليمانية فى السماء. وكانت هذه هى نقطة الانطلاق لتحديد بداية العام الجديد، وهى قياس ارتفاع منسوب مياه الفيضان، وما يُسجل عند مستوى مدينة منف، ويتفق تمامًا مع ظهور نجم الشعرى اليمانية. وكانت تحدث هذه الظاهرة فى يوم 19 من شهر يوليو. وأحصى رجال الفلك المصريون القدماء عدد الأيام بين كل ظهور للنجم فوجدوها 365 يومًا، وقسموها إلى 12 شهرًا، كما قسموا السنة إلى ثلاثة فصول، تحددت بناءً على أحوال النيل وهى فصل «آخت»، وهو فصل الفيضان وبذر البذور، من منتصف يوليو إلى منتصف نوفمبر، وفصل «برت»، وهو فصل النمو، ويوازى فصل الشتاء، ويبدأ من منتصف نوفمبر إلى منتصف مارس، وفصل «شمو»، وهو فصل حصاد الزرع، من منتصف مارس إلى منتصف يوليو.
نظر المصريون إلى نهر النيل بعين القداسة، واستخدموا مياهه للتطهر ولأداء الطقوس الدينية وغسل المتوفى. وكان الاغتسال بماء النيل ضرورة حياتية مصرية كنوع من النظافة والتطهر البدنى والروحى، وهى تحمل معنيين، فعليا ورمزيا، فى وجدان المصرى القديم. يشمل المعنى الفعلى نظافة الجسد والملبس والمأكل والمسكن فضلاً عن التطهر كضرورة لتأدية الطقوس الدينية، أما المعنى الرمزى فيشمل طهارة النفس روحيًا من كل شائبة. وبرز تقديس النيل من خلال حرص المصرى على طهارة ماء النهر من كل دنس، كواجب مقدس، ومن يلوث هذا الماء كان يتعرض لعقوبة انتهاكه غضب الآلهة فى العالم الآخر. ويشير نص قديم إلى أن «من يلوث ماء النيل، سوف يصيبه غضب الآلهة». وأكد المصرى القديم فى اعترافاته الإنكارية فى العالم الآخر ما يفيد عدم منعه جريان الماء درءًا للخير، كما ورد فى الفصل 125 من نص كتاب الموتى: «لم أمنع الماء فى موسمه، لم أقم عائقًا أمام الماء المتدفق». وفى نص مشابه على جدران أحد النبلاء عدّد صفاته أمام الإله من بينها: «أنا لم ألوث ماء النهر...لم أمنع الفيضان فى موسمه...لم أقم سدًا للماء الجارى...أعطيت الخبز للجوعى وأعطيت الماء للعطشى.» وكان الماء فى الفكر الدينى المصرى القديم يمثل عنصرًا أساسيًا منه تخرج الحياة الجديدة، وإلى المحيط الأزلى تؤول الشمس وقت الشفق، لتبث فيه قوة نشطة جديدة.
وخصص المصريون القدماء عددًا من الأرباب ارتبطوا بنهر النيل، كان أشهرها الإله «حعبى»، الذى كان يمثل فيضان النيل سنويًا. وكان مصدر الحياة الأولى عمومًا، وبداية الخلق ومصدر الحياة الأولى للمصرى القديم. ووُصف حعبى بـ«سيد القرابين». وكان أهم دور له كمعبود هو تجسيد فيضان النيل. وورد ذكره كثيرًا فى «أناشيد النيل». وضمن فقرات فى «متون التوابيت»، كما أُطلق عليه أيضًا «سيد الفيضان» و«رب أزلى» و«خالق» و «رب الأرباب» و«أقدم الأرباب»، كما وُصف بـ«سيد الكل»، الذى يُحدث التوازن فى الكون.
ودأب الكهنة والمصريون على ترديد أناشيد النيل عرفانًا بقدره ونعمه على الناس. ومن بين هذه الأناشيد الدينية نص يعود إلى عصر الدولة الوسطى يقول: «المديح لك يا «حعبى»، الذى يخرج من الأرض، ويأتى ليعيد الحياة للبلاد».
مدير متحف الآثار- مكتبة الإسكندرية