ندى
كانت على عكس طبيعة النساء فى كل شيء, تخلت عن جميع الأحلام التى تدور فى خلد أقرانها من الفتيات, ارتضت العيش فى محراب زوجها وسرعان ما دارت فى فلكه بمنتهى الرضا والسعادة , كرست حياتها لتوفير البيئة المناسبة لمشروع مبدع يشق طريقه بصعوبة بالغة فى ميدان الأدب , آمنت به فأحبته، صبرت وتحملت فصارت هى الأهم فى حياة أديب باع قلبه وعقله للكتابة، فصارت جزءا منه ، وأصبحت حكاية لم ينسجها فى رواياته، قصة امرأة لم يخبرنا عنها أبدًا، لم نعرفها قط ولن نسمع عنها إلا فى كلمات أخفاها بين سطور رواياته حتى لا يكشف سره أحد.
عطية الله زوجة أديب نوبل نجيب محفوظ , جاء ارتباطه بها فى الوقت المناسب وهو حالة صمت إبداعى سقط فيها عقب قيام ثورة 1952م، التى لم يُكنُّ يميل إليها بسبب ميوله الوفدية، تزوّجها على شرطٍ وحيدٍ غريب، أن يُخفى أمر زواجه عن كل المحيطين به، وأولهم أمه التى كانت لديها قريبة ثرية تمنّى أبوها تزوجيها لنجيب حتى لو تحمّل كافة النفقات الأمر الذى أثار غضبه بِاعتباره عرضًا ماسًّا بكرامته فرفض الفكرة من بدايتها.
تحملت عطية الله بزواجها ما لا يُحتمل، أهونها فارق السن الشاسع بينهما فكانت فى السادسة عشرة بينما كان هو فى الـثالثة والأربعين ، وأقساها إبقاء زواجهما سِرًّا عن الجميع بمن فيهم أمه.
و رغم ذلك لم يقل قط أنه يُحبّها، ولا حتى فى عِز لحظات الزواج الأولى ، اكتفى بالتأكيد على أنه اختار «الزوجة المناسبة» لظروفه الحالية، وقال: «لم تنشأ بيننا قصة حب سابقة على الزواج، كنت فقط فى حاجة إلى زوجة توفر لى ظروفًا مريحة تساعدنى على الكتابة».
ثم قال عن زواجه منها فى روايته ثرثرة فوق النيل «الزواج يجيء أحيانًا بلا تلميح مثل الموت»، هكذا وصف سر زواجه الذى أخفاه عن الجميع لسنوات حتى انكشف أمره دون سابق إنذار, لكنه اضطر إلى الاعتراف بفضلها قائلا:»إن كان لأحدٍ فضل فى المكانة التى وصلت إليها بعد الله سبحانه وتعالى، فهى زوجتى عطية الله التى كانت بالفعل عطية من الله إليَّ».
ثم استفاض كثيرًا فى توجيه الشُكر البليغ لها بسبب عنايتها الشديدة به، ونجاحها فى الدوران داخل فلك روتينه المُقدَّس بكل سهولة كرجل «لا يُغير شيئًا من عاداته وطباعه» كما يصف نفسه دومًا، وتعاملها الفَطِن مع أديب متدفق الموهبة لا يُفكر إلا فى كتابة رواية حالية والتخطيط لرواية مستقبلية وإجراء تعديلات على رواية قديمة.
وسرعان ما فهمت عطية الله شخصية زوجها, فلم تُحاول تغييرها قط بل انسجمت معها وعاشت من خلاله وارتضت أن تكون ظلا له .
يقول «صاحب نوبل»: «زوجتى تحملتنى كثيرًا وساعدتنى على تطبيق النظام الصارم الذى فرضته على حياتي، ووفرت لى جوًّا مكننى من التفرغ للكتابة، «كانت زوجة تفهم أننى لست كائنًا اجتماعيًّا، ولا أحب أن أزور أحدًا أو يزورنى أحد، وأننى وهبت حياتى كلها للأدب، ووجدت فيها هذا التفهم وتلك الصفات المناسبة لي.»
قبل فوزه بنوبل، عانَى دومًا من وضعٍ مالى غير مستقرٍّ ، فدخله من وظيفته الحكومية يكاد يغطى نفقاته، وبالرغم من ذلك رفض عرضًا ضخمًا من مصطفى أمين للكتابة فى أخبار اليوم، بسبب عداء «أمين» السابق للوفد، هنا تغضب زوجته وتُذكره بدخلهما المحدود لكنه يُصمم على الامتناع انتصارًا لمبادئه فلم تعارضه, واحتملت حياته التى وصفها نجيب نفسه بـ«الرهبنة», ثم واصلت التضحيات ولكن هذه المرة بحريتها بسبب مراقبتها أمنيا بعد نشر رواية «أولاد حارتنا» , و كادت أن تلقى مصير زوجة المُفكِّر نصر أبو زيد، بعدما رفع الشيخ يوسف البدرى دعوى قضائية يُطالب فيها بالتفريق بينها وبين زوجها بسبب ما اعتبره سطورًا مارقة كتبها «محفوظ» ضد الدين.
وفى عام 2014 تلحق بزوجها فى الذكرى 103 لمولده ليسدل الستار على قصة وفاء نادرة قلما يجود الزمان بمثلها.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض