تدفع نملةٌ حبّةَ قمح إلى شقّ الجدار. تفلت الحبّة، فتعود إليها، ترفعها بفكّيها وتجرّها فوق الرمل. ثم تمضى تبحث عن حبّة أخرى. لا يسمع أحد وقع خطاها، لكن المخزن يمتلئ.
هكذا بنى شكسبير ونجيب محفوظ عالميهما: مسرحيةً بعد مسرحية، وروايةً بعد رواية، حتى صار للأول مسرحٌ تتزاحم فيه طبقات المجتمع الإنجليزي، وللثانى قاهرةٌ نكاد نسمع وقع أقدام أهلها على سلالم البيوت وفى الأزقة والحارات.
كان شكسبير يكتب للمسرح موسمًا بعد موسم، ويجرّب فى كل عمل ما تفعله السلطة والخوف والرغبة بالإنسان. فى الملك لير، يقسّم أبٌ مملكته بين بناته، ثم تُنتزع منه هيبته، ويخرج إلى العاصفة مكشوف الرأس؛ هناك يبدأ فهم ما عجز عن رؤيته فوق العرش. وفى القاهرة، كان محفوظ يعود إلى مكتبه كل يوم، يتتبع ما يجرى وراء الأبواب وفى الأزقة. فى الثلاثية، يكبر أبناء السيد أحمد عبد الجواد ويختارون طرقهم. يظلّ صوته يملأ البيت، لكن قبضته على حياتهم ترتخى عامًا بعد عام.
أتاح العمر للرجلين أن يعودا إلى الورق مرة بعد مرة. تزوّج شكسبير آن هاثاواي، وأنجبا سوزانا والتوأم جوديث وهامنت؛ وتزوّج محفوظ عطية الله إبراهيم، أمّ ابنتيه أم كلثوم وفاطمة. لا تخبرنا هذه الوقائع كيف عاش كلٌّ منهما داخل بيته، ولا تفسّر وحدها ما كتب. لكنها تذكّرنا بأن العمل امتدّ عبر سنوات حملت معها مسئوليات الأسرة وتغيّر العالم من حولهما.
وعلى مقربة من شكسبير، لمع كريستوفر مارلو بموهبةٍ كان يمكن أن تنافس شكسبير، وربما تتفوّق عليه. أطلق تيمورلنك يمدّ يده إلى العالم، وجعل فاوست يساوم على روحه طلبًا للمعرفة. ثم جاءت طعنةٌ فى مشاجرة، فانتهت حياته وهو فى التاسعة والعشرين. بقيت موهبته حاضرةً فى مسرحياته، لكن الموت حجب عنا الأعمال التى كان يمكن أن يكتبها. أما شكسبير، فظلّ يكتب، مسرحيةً بعد مسرحية.
وفى مصر، لم يوقف الموت عادل كامل، رفيق بدايات محفوظ؛ أوقفته خيبةٌ أدبية. عام 1943، فازت روايته ملك من شعاع بالجائزة الأولى لمجمع اللغة العربية، وجاءت كفاح طيبة لمحفوظ ثانيةً. وحين رفض المجمع لاحقًا روايته مليم الأكبر، ابتعد كامل عن الأدب واتجه إلى المحاماة. ورفض المجمع السراب لمحفوظ أيضًا، لكنه عاد إلى مكتبه. خرج الكاتبان من باب اللجنة بخيبة متشابهة؛ أحدهما أغلق دفتر الرواية، والآخر فتح صفحة جديدة.
ترك كريستوفر مارلو وعادل كامل أعمالًا تبرهن على موهبتين كبيرتين؛ لكن الموت أوقف يد الأول، والخيبة أبعدت يد الثانى عن الورق. أما شكسبير ومحفوظ، فعادا إلى الصفحة بعد كل صفحة. ولعلّ هذا هو السؤال الذى يتركه الأربعة كى نتأمله: كم عملًا عظيمًا لم يولد لأن صاحبه لم يستطع أن يحمل الحبّة التالية؟
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض