لا أحد يختلف على أهمية اللغة العربية، فهي ليست مجرد مادة دراسية، وإنما جزء أصيل من هوية أبنائنا وثقافتهم وانتمائهم. ومن هنا فإن اهتمام وزارة التربية والتعليم بتطوير مستوى اللغة العربية لدى طلاب المدارس الدولية هو أمر يستحق التقدير والنقاش الجاد.
لكن السؤال الذي يجب أن نطرحه بصراحة: هل نضع للطالب ما يحتاج إليه فعلًا، أم ما نعتقد أنه يجب أن يعرفه؟
طلاب المدارس الدولية لهم طبيعة تعليمية مختلفة، وبعضهم يعاني بالفعل من ضعف شديد في اللغة العربية، إلى درجة أن الحديث بها يمثل تحديًا يوميًا. ولذلك فإن مطالبتهم فجأة بمستويات مرتفعة من الدراسة والقواعد والكتابة، دون تأسيس تدريجي يتناسب مع مستواهم الحقيقي، قد تجعل اللغة عبئًا بدلًا من أن تكون جسرًا للهوية.
وهنا نصل إلى قضية أكبر.
لطالما وجّه الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى أهمية تطوير منظومة التعليم بعيدًا عن حشو المناهج، مع الاهتمام ببناء شخصية الطالب، وتنمية مهاراته، وإتاحة مساحة أكبر للأنشطة الرياضية والثقافية والفنية وغيرها.
لكن ما يلمسه بعض أولياء الأمور هذا العام يثير سؤالًا مشروعًا: هل حافظنا بالفعل على هذا التوازن؟
فمع زيادة المتطلبات الأكاديمية، تراجعت في بعض الحالات المساحة المتاحة للأنشطة والمهارات، وأصبح الطالب مطالبًا بمجاراة توقعات أكاديمية متزايدة، بدلًا من أن يحصل على تعليم يكتشف قدراته ويصقلها.
نحن لا نريد جيلًا يجيد الإجابة عن أسئلة الامتحان فقط، وإنما جيلًا يفكر بطريقة مختلفة، ويبتكر، ويتواصل، ويمتلك مهارات عقلية تفوق الخيال. وهذا الجيل موجود بالفعل، لكنه يحتاج إلى منظومة تعليمية تكتشف إمكاناته ولا تستهلكها في الحفظ والواجبات.
نريد أن يتقن أبناؤنا العربية، نعم، ولكن نريدهم أيضًا أن يتقنوا التفكير والإبداع والرياضة والفنون واللغات والتكنولوجيا.
التعليم ليس سباقًا لإنهاء أكبر قدر من المناهج، وإنما رحلة لصناعة إنسان قادر على صناعة المستقبل.
ومن هنا تأتي أهمية مراجعة المسار، وتحقيق التوازن من جديد بين المعرفة والمهارات والأنشطة والهوية.
وأتمنى أن يصل هذا النقاش إلى القيادة السياسية، التي جعلت بناء الإنسان المصري محورًا أساسيًا في مشروع تطوير التعليم، لإعادة النظر في هذا التوازن، حتى لا يكون ثمن تطوير جانب من جوانب التعليم هو التضحية بجوانب أخرى لا تقل أهمية.
فنحن لا نريد فقط أن يتعلم أبناؤنا أكثر… بل نريد أن يصبحوا أكثر قدرة على التفكير، والإبداع، وصناعة المستقبل.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض