خارج السطر
أغار على وطنى من دول شقيقة وشبيهة سبقته فى مضمار العلوم والتكنولوجيا والتقدم، وأشعر بحسرة على ما وصلت إليه أحوال الصناعة فى مصر من تردٍّ، وأفول، وتجمد. يغيظنى كثيرا أننى لم أعد أسمع مصطلح «التنمية الصناعية» متداولا فى اجتماعات الحكومة وتصريحات المسئولين، وبطبيعة الحال لم أعد أقرأ خبرا ولو نادرا عن مشروع صناعى جديد ضخم وكبير، مثلما كان فى زمن الرئيس مبارك.
عشت ذاك الزمان، عينا راصدة لأحوال شهدت أياما حسنة وأخرى تعسة، واحتدمت بسياسات نفع، وأعمال قمع، لكن فى المجمل العام كانت الأوضاع الاقتصادية أكثر شفقة على الناس بمختلف فئاتهم.
ومما لا يُنسى من تلك الأيام الخوالى أنه لم يكن يمر شهران أو ثلاثة دون أن نقرأ فى الصحف عن زيارة للسيد رئيس الجمهورية لمشروع صناعى كبير، أسسه القطاع الخاص، فرفع أعناقنا فخرا، وأسعدنا بما وفر من آلاف الوظائف.
الآن غابت مثل هذه المشاريع تماما، ولا أدرى إن كان ذلك لأسباب خارجية وإقليمية لا يمكن التحكم فيها، أم نتاج سياسات جديدة لا تؤمن بالصناعة، ولا تراهن عليها.
مرت أكثر من عشر سنوات ولم نعد نسمع عن رجال صناعة جدد يلمعون بمشروعاتهم القيمة. لم نرَ مغامرين جددا يؤمنون بأن الصناعة هى أفضل استثمار، لأن ريعها يتجاوز صاحب المشروع، ويتسم بالاستدامة.
عاصرت رموزا نبهاء وأفذاذًا، يُمكن الاختلاف معها فى كثير من الأمور، لكن لا يمكن النظر إلى أيهم دون احترام وامتنان حقيقيين. كان محمد فريد خميس نجما شامخا فى مجال المنسوجات، محمود العربى فى مجال الأجهزة الكهربائية، أحمد عز فى صناعة الصلب، ثروت باسيلى فى صناعة الدواء، عبدالمنعم سعودى فى مجال السيارات، صفوان ثابت فى قطاع الأغذية، شريف الجبلى فى الأسمدة، وغيرهم عشرات وعشرات فى صناعات مختلفة رائجة وناجحة وصانعة لفرص العمل.
توقفت الماكينة عن الدوران، انسحبت كلمة «الصناعة» من المُحيط العام رويدا. لم يُعد تعميق التصنيع المحلى هدفا معلنا، ولم يطرح البعض أفكارا بشأن صناعات جديدة، تكالبت الهموم والمشكلات على بيئة الصناعة، ونبت من العدم مصطلح كريه هو التعثر، وصار أمل كل وزير صناعة جديد أن يعيد فتح المصانع المغلقة، فصار المشهد كله مُحزنا.
وبالقطع فإننا لا نتعلم من تاريخ العالم، لأننا لا نهتم بقراءته. يكشف لنا د.أحمد عبدربه أستاذ السياسة الدولية بجامعة دنفر فى كتابه «عالم بلا قانون» الصادر مؤخرا عن دار الشروق أن بريطانيا ظلت سيدة العالم لأكثر من ثلاثة قرون بفضل الإنتاج الصناعى العظيم. ويشير إلى أن الإنتاج الصناعى لبريطانيا كان يمثل 32 فى المئة من الانتاج الصناعى العالمى عام 1870، بينما كان المؤشر نفسه فى الولايات المتحدة يمثل 23 فى المئة. وفى إحصاء 1913 حدث تغير واضح هو أن الإنتاج الصناعى فى الولايات المتحدة بلغ 36 فى المئة، وفى ألمانيا بلغ 16 فى المئة، بينما بلغ فى بريطانيا 14 فى المئة فقط. ومن يومها عرف المفكرون أن قيادة العالم ستنتقل سريعا إلى الولايات المتحدة، وهو ما تحقق وتأكد، أو بمنتصف القرن العشرين.
ولا شك أن جمال عبدالناصر فطن إلى ذلك فى حلمه الطموح لبناء وطن قوى، فحاول وسعى، لكنه انزلق وتورط فى طُرق ومغامرات أخرى وأوهام زائفة، حولت التنمية الصناعية إلى شعار شكلى.
ويحسب لعصر مبارك بكل سوءاته أنه استعاد حلم الصناعة رويدا، لكن يبدو أن الأحلام فى بلادنا نادرا ما تتحول إلى واقع.
والله أعلم.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض