خارج السطر
ليس كل التاريخ حكايات، فبعضه أرقام وإحصائيات واستخلاصات.
بين وصول محمد على إلى السلطة سنة 1805 وسقوط نظام مبارك فى 2011 فى مصر، تعاقب على حكم المحروسة أربعة عشر حاكما كان أطولهم حكما محمد على 43 عاما، ثم مبارك ثلاثين عاما، ومن بعده الخديو عباس حلمى الثانى اثنين وعشرين عاما. وكانت أقل فترة حكم من نصيب إبراهيم باشا، نجل محمد على، إذ ظل فى الحكم بضعة شهور. وكان متوسط بقاء الحاكم فى السلطة أربعة عشر عاما.
واللافت أن متوسط عمر الحاكم فى مصر كان 61 عاما فقط، وكان أطولهم عمرا الرئيس مبارك، إذ عاش حتى التسعين عاما، ومن بعده محمد نجيب ثلاثة وثمانين، ثم محمد على باشا ثمانين عاما. أما أقصر الحكام عمرا فكان الخديو محمد توفيق، الذى توفى وعمره 39 عاما، ومن بعده محمد سعيد 40 عاما، ثم عباس الأول 41 عاما.
ورغم تحولات وصراعات الحكم، فإن السمة الغالبة على تاريخ الحكم فى مصر هى السلمية، إذ لم يمت من هؤلاء الحكام مقتولا سوى اثنين هما الوالى عباس الأول، والرئيس السادات.
ومن بين هؤلاء فإن هناك ستة تركوا الحكم وهم أحياء هم محمد على، الذى غاب عقله فى أواخر أيامه وترك الحكم لابنه إبراهيم باشا، والخديو إسماعيل الذى خلع عن حكم مصر وعاش منفيا حتى رحيله، والخديو عباس حلمى الثانى الذى خلع أيضا، ثُم محمد نجيب الذى حددت إقامته فى منزله حتى وفاته، ثُم مبارك الذى تخلى عن الحكم، ثم مات على سرير المرض.
ورغم أن لكل حاكم خصوما لا ينتهون، فإن التاريخ يحفظ لكل واحد من هؤلاء بصمات وإنجازات ومشروعات خالدة ربما باستثناء عباس الأول الذى ظل فى الحكم ست سنوات دون أى مشروعات أو أعمال أو آثار خالدة. ويمكن القول إن اسم محمد على يرتبط بالنهضة الصناعية، وإقامة الجيش، والتوسعات الإقليمية، وبعثات التعليم، ويقترن اسم ابنه إبراهيم بالانتصارات العسكرية. أما الوالى سعيد الذى حكم أحد عشر عاما، فله أفضال لا تنكر فى إقرار حق المصريين فى تولى مناصب بالجيش، والسماح لهم بتملك وتوارث الأراضى الزراعية.
ويرتبط اسم الخديو إسماعيل الذى حكم خمسة عشر عاما بنهضة عمرانية لا مثيل لها، وبمشروع قناة السويس، وبدء الانفتاح الفكرى والثقافى. ورغم وصف الثقافة الشعبية للخديو توفيق بالخيانة، إلا أن للرجل إنجازات عظيمة كان من بينها إلغاء السخرة، وإصلاح وبناء عدد كبير من المساجد، واصلاح التعليم وجذب الاستثمارات الأجنبية. كذلك يرتبط اسم الخديو عباس الثانى بتشجيع الحس الوطنى ودعم الأفكار التحررية.
ولخليفته السلطان حسين كامل (حكم أربعة أعوام) بصمات هامة فى دعم التعليم وإنشاء الهيئات الخيرية، كذلك فإن للملك فؤاد الذى حكم ستة عشر عاما بعض الإنجازات الهامة فى التعليم والصناعة والاقتصاد. وللملك فاروق رغم شن حملات موجهة لتشويهه كثير من الآثار الطيبة فى السياسة والاقتصاد والعمران.
وبالطبع لكل حاكم أخطاؤه وسقطاته، لكن التاريخ يغفر كل شىء حتى الدم، وليس أدل على ذلك من تسمية محمد على بباعث النهضة الحديثة رغم فتكه بآلاف البشر غدرا فى مذابح بشعة. وكما قال الشاعر محمود درويش «فالسلاح هو المؤرخ».
وعموما، فإنه لم يصل حاكم إلى الحكم دون أن ينتقد سلفه، لكن بقيت السلطة فى بلادنا مثلما هى فى كافة بلدان العالم مرغوبة ومطلوبة، وظل الملك له مالك وحيد، يؤتيه من يشاء وينزعه ممن يشاء.
والله أعلم
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض