طلة
فى رائعة نجيب محفوظ اللص والكلاب تعلم اللص سعيد مهران مبادئ السرقة على يد الصحفى رؤوف علوان الذى كان طالبا فى الجامعة ويسكن فى المدينة الجامعية، حيث تعرف فيها على سعيد الذى كان يعمل فراشا فاستغل حاجته للمال وأقنعه بمبدأ ميكافيللى الشهير الغاية تبرر الوسيلة، ووجد كل منهما فى الآخر ضالته المنشودة، حيث يخطط رؤوف للسرقة، وبدأ بسرقة زملائه بعد أن أشبع سعيد مهران بمبادئه التى تحلل سرقة الأغنياء، وينفذ سعيد مهران العملية مقابل النذر اليسير من بيع الحصيلة. لكن بعد التخرج وتحوله لمصاف الأغنياء تنكر رؤوف لسعيد الذى أراد أن ينتقم منه فخطط لسرقته هو شخصيا وعندما كشفه رؤوف وسأله كيف تتجرأ على سرقة أستاذك رد عليه سعيد ردا عبقريا قائلا له: إنه الثبات على المبدأ يا صاحب الرسالة!
كثير من الناس وبالذات من النجوم فى مجالات كثيرة استوعبوا جيدا درس اللص والكلاب رافعين شعار الثبات على المبلغ وليس المبدأ، فهم فى سبيل الفلوس لا يتورع الواحد منهم عن بيع أى مبدأ وكل مبدأ، هؤلاء النجوم ليسوا بالضرورة لصوص باب وشباك مثلما كان سعيد مهران, ولكن من قال إن اللصوصية هى فقط أن تكسر شقة وتستولى على محتوياتها؟ أليست اللصوصية هى أن تقنع الناس بمبادئ أنت أول من يخالفها فى سبيل الحفاظ على المبلغ الذى ارتضيته مقابل بيع مبادئك وأفكارك، أليست اللصوصية أن تتلون وتتبدل كالحرباء لتكون مناسبا لنظام سياسى جديد أو حتى لتتوافق مع أفكار رئيس جديد لك فى العمل حتى تتقرب منه وتستفيد طبعا من هذا القرب حيث تحصل على كل الامتيازات المادية والمعنوية، بينما من تمسك بمبادئه يقبع وحيدا منبوذا لا يحصل على شىء.
إنك فى اللحظة التى تحسب فيها عواقب أى موقف مبدئى تكون قد قررت أن تبيع ولكن يبقى تحديد ثمن البيع، فلو ترددت مثلا فى نصرة الحق الواضح خوفا من رد فعل من لا يريدونك أن تنصر الحق لأن نصرة الحق ستضر بمصالحهم فأنت قد قررت البيع، ولو انتظرت اتجاه الريح قبل أن تحدد موقفك من قضية ما فأنت لست بصاحب مبدأ ولكنك صاحب مبلغ لا تريده أن يتأثر أو يقل، وعندما يكون لك أكثر من رأى تجاه قضية واحدة مستمرة وتحدد رأيك فى كل مرة على حسب آراء من بيدهم القرار فأنت تاجر تبيع وتشترى كل أنواع البضاعة مع الفارق أنك تتاجر فى أخطر أنواع البضاعة ألا وهى المواقف والأفكار والآراء. تأمل مواقف كثير من النجوم من العدوان الإسرائيلى الغاشم على المسجد الأقصى وتستطيع أن تطبق على تلك المواقف نفس نظرية صاحب المبدأ وصاحب المبلغ وستكتشف بسهولة من هم فعلا أصحاب المبادئ الحقيقية الذين لم يفكروا فى العواقب ومن هؤلاء الذين انتظروا حتى لا يتورطوا فى إعلان رأى قد يضر كثيرا بالمبلغ. الصنف الأول تصرف بشكل تلقائى عفوى نابع من ضميره والثانى تصرف تصرفا نابعا من رصيده فى البنك.
ولكل هؤلاء نقول إن التاريخ لا يرحم مهما تأخر والدروس الفائتة من التاريخ تخبرنا كيف تم رفع صاحب المبدأ الحقيقى فوق الأعناق ولو بعد حين بينما سيجيء يوم تدهس فيه الأقدام صاحب المبلغ مهما حصد من ثروات، مصير صاحب المبدأ بيّن ومصير صاحب المبلغ بيّن ولا يوجد بينهما أمور مشتبهات، فاختر لنفسك!
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض