سيظل الرئيس الأمريكى المنتهية ولايته «دونالد ترامب مثيراً الجدل؛ والتحاليل السياسية المختلفة ليس فقط بصفته رئيسًا ضعيفًا ، حاول عرقلة أغنية الأمريكان المشهورة عن الديمقراطية ولكنه أثبت بكل قوة أنه بشكل منفرد غير قادر على تحقيق أجندته التشريعية أو إدارة أفعالة ، لذلك اعتمد ترامب على المسرح الديماجوجى الخطير؛ مركزا على «الإيهام بالكلام» واستدرار العواطف واللعب على المخاوف؛ وتقديم الوعود الكاذبة الخادعة المضللة باستخدام تعابير هلامية مطاطة إنشائية يمكن تفسيرها على أكثر من وجه؛ حسب مقتضيات الحال خالقا نوعا من الشعبوية بخطب سياسية يدغدغ بها عواطف الجماهير غير المثقفة بالحجاج لكسب التأييد لسياسته، والحفاظ على شعبيته لدى الناس، وفق لائحة من النوايا والنتائج المرتقبة التى يتم الترويج لها.
ومن هذا السياق يمكن تفسير تراجع دونالد ترامب عن تهديده السابق باستخدام حق النقض (الفيتو) ضد الإجراء الذى وفر 900 مليار دولار للإغاثة من الوباء؛ مع تمويل الحكومة الفيدرالية حتى سبتمبر المقبل؛ فبتوقيعه المتأخر على الإجراء ، أظهر ترامب مرة أخرى أنه شخص متهور، وسريع فى إصدار ادعاءات عديدة وخطيرة ؛ ولكنه نادرًا ما يتصرف بها؛ بل أنه عاد لأسلوبه المسرحى وأكد فى بيان ، أنه وقع على حزمة من الأجراءات مرفقة برسالة قوية توضح للكونجرس أن العناصر المهدرة يجب إزالتها؛ ومع ذلك يرى المحللون السياسيون أن هذه «الرسالة القوية» ليست أكثر من مجرد كلام ساخن ، لأن أمام الكونجرس 25 يومًا للنظر فى طلبه ، وفى ذلك الوقت سيكون جو بايدن رئيسًا؛ والشيء الوحيد الذى حققه ترامب هو تأخير مدفوعات البطالة الإضافية التى ضمنتها الحزمة؛ وهذا بالطبع سيجعل حياة عدد لا يحصى من الأمريكيين أكثر قلقا وبؤسًا .
وهنا يجب الأشارة الى أن «إستراتيجية ترامب للمساومة بحق النقض (الفيتو) بشأن مشروع قانون ( Omnibus / COVID) هى بمثابة درس رئيسى فى كيفية عدم استخدام حق النقض للتأثير على السياسة. والواقع أثبت أن ترامب يجب أن يُنظر إليه على أنه تهديد سلطوي؛ فسلطة ترامب والحزب الجمهورى فى السياسة الأمريكية الحالية أعتمدت بشكل كامل تقريبًا على السمات غير الديمقراطية؛ مستخدما الأساليب القانونية للنظام الدستوري، من اللجوء الى الهيئة الانتخابية ومجلس الشيوخ والمحاكم. ومقارنة بالرئاسات الجمهورية لنيكسون وريجان وجورج دبليو بوش ، كانت رئاسة ترامب أقل تحولًا بشكل ملحوظ ، وانتهى عصر الحكومة الكبيرة؛ التى ورثها ريجان لكلينتون كعقيدة العصر الحاكمة، وكان ترامب بالكاد قادرًا على الحصول على الكثير من التشريعات من خلال الكونجرس؛ التى سيلغى بايدن بالتأكيد العديد من أوامر ترامب التنفيذية ؛ ومن المفارقات أن الوصى الوحيد على إرثه سيكون المحاكم، التى اعتبرها الكثيرون ترياقًا للترامب والوصاية على سيادة القانون.
ولقد تصرف ترامب بطرق غريبة للغاية أثناء حكمه ؛ قأقام عداوة مع الصحافة ووصفها بأنها «عدو الشعب» وحرض على العنف ضد المراسلين والخصوم السياسيين؛ وعمم العنصرية وأعطى طابع موافقته على الجماعات العنيفة مثل Proud Boys(جماعة يمين متطرفة يتشكل أعضائها من الذكور فقط، ؛ مناصرة لأيديولوجية الفاشية الجديدة ومؤيدة لتوجهات دونالد ترامب، ومن أعضائها من ينتمون إلى جماعات سيادة العرق الأبيض )..الى جانب أن ترامب رعى نظرية المؤامرة؛ رفضا قبول شرعية هزيمته الانتخابية الواضحة؛ بل حرض على تحركات غريبة لقلب النتائج.
ولأن ترامب لا يستطيع تحقيق انتصارات فى ميدان المعركة التشريعية على وجه التحديد ، فقد رحب بإنشاء واقع بديل خيالى ينتصر فيه باستمرار؛ الحكم فيه من خلال استطلاعات الرأى و جر ملايين الجمهوريين إلى هذا الواقع البديل. خالقا الديماجوجية الترامبية التى تعمق أزمة الديمقراطية الأمريكية التى سبقت ترامب بزمن طويل؛ محدثة الشلل السياسى بسبب عملية الاستقطاب؛ ومع ذلك أرى أن غوغائية ترامب هى نفسها نتاج 12 عامًا من الجمود السياسي. أي، من وقت وجود أوباما فى المنصب بعد منتصف المدة من عام 2010 إلى فترة بايدن بعد منتصف المدة لعام 2022 ، فلم يكن لدى الأمريكان أى تشريع تقريبًا يتعامل مع أى من تحديات اليوم والكثير من الأوامر التنفيذية التى تغير الأمور مؤقتًا ثم يتراجع عن ذلك الرئيس القادم؛ وبالطبع كلما استمر الشلل لفترة أطول ، ستصبح الديمقراطية الأمريكية الأكثر اهتزازًا؛ وتصبح أمة غير قادرة على التعامل حتى مع القضايا الأساسية مثل البنية التحتية والتحفيز؛ والأيام أثبتت أن الديمقراطية الأمريكية فى حالة سيئة؛ وضعف ترامب المفترض زاد الطين بلة ؛ وخاصة لميله إلى جنون العظمة وإلقاء القبض على كبش فداء (وهو ما ميز بالفعل أسلوبه فى السياسة)؛ ومن خلال تسميم الخطاب السياسى بعنصريته ونظريات المؤامرة جعل من المستحيل على خليفته الإفلات من فخ الجمود.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض