أوراق مسافرة
«ادعيلى يا أمى والنبى عشان ربنا يسهل لى الأمور وأخلص الورق من غير بهدلة» كنت اطلبها من أمى، كلنا طلبناها من أمهاتنا ونحن نتوجه بكل المخاوف والعقد بداخلنا إلى جهة حكومية أو مصلحة ما لتخليص أى أوراق تخصنا، منذ أن ماتت أمى لا أجد من يدعو لى بتيسير الحال، فصرت قبل خروجى لقضاء أى أوراق.. أبسمل وأحوقل وأقرأ آيات التيسير وسورة «يس» وأصلى صلوات إضافية مع الدعاء، فلا أصدم بموظف «بيروقراطى»، ولا آخر مرتش، ولا ثالث لا تفارق وجهه التكشيرة وكأنه «إله» خلف الشباك يجب أن يعبده المواطن ويصلى له ليخلص بحاجته.
بالأمس قصدت أحد مكاتب البريد لعمل حوالة، فوجئت بزحام وصخب، طلاب، أولياء أمور، يتصببون عرقًا تحت حرارة الشمس ويبرطمون سخطًا وسبابًا، حيث لا مظلة ولا شىء يحتمون تحته، مسئول الأمن يقوم بإدخال خمسة مواطنين فى المرة حفاظًا علينا من كورونا، ولنحترق بالشمس بالساعات.. مش مشكلة، سبب تواجد الطلاب وأولياء الأمور إرسال حوالة بريدية للإدارة التعليمية، إما لإلحاقها بطلب نقل من مدرسة لأخرى، أو لسحب بيانات النجاح، أو لأى سبب آخر، حوالة بريدية، تلك البدعة التى طالبنا فى كل وسائل الإعلام المقرؤة والمسموعة بإلغائها، واستبدالها بحل آخر أيسر للمواطنين، لأنها بدعة ليس لها مثيل فى أى بلد بالعالم.
لماذا حوالة بريدية باسم مدير الإدارة التعليمية، حوالة بعشرة جنيهات، أو أكثر، وطابع بجنيه أو بضعة جنيهات، ولماذا أيضًا حوالة بريدية إذا أردت الحصول على صورة من محضر بقسم شرطة حررته، يا ناس حد يفهمنى.. يفهمنا.. لماذا لا يتم دفع أى رسوم فى شباك مخصص بالادارة التعليمية نفسها، أو بقسم الشرطة نفسه، وإذا كانت هناك «تفريقة» أو توزيعة مالية لقيمة هذه الحوالات، فعلى الحكومة ان توزعها بطريقتها بعيدا عن انهاك المواطن وتكفيره بهذا الشتات هنا وهناك بين عشرات المواقع والمكاتب، لينهى أوراق الولد أو البنت فى مدرسة أو ينقلها أو أى أمر آخر يتعلق بتعليم الأولاد ومدارسهم وجامعاتهم، أو حتى ليحصل على صورة محضر شرطة.
أسوق هذا الأمثال البسيطة، لأقول لكم إن الفساد الذى توارثناه ونئن تحت سياطه، ليس فقط فساد ذمم، وخراب ضمائر، وغسيل أموال، وتمويل للإرهاب، وقبول ناس للحرام، واستحلالهم أموال وأقوات الشعب، وأموال الدولة ليملأوا خزائنهم مع الإفلات من العقاب بآلاعيبهم وتحايلهم على القانون، ولكن الفساد أيضًا يتمثل فى سوء النظم الإدارية بأغلب مصالحنا الحكومية، والإصرار على التمسك بثوابت قديمة من إرث بيروقراطى قديم لتعذيب المواطنين، ارث قد يرجع إلى عهد الاستعمار التركى، الذى صممت فيه شبابيك خدمات الجمهور بصورة هندسية معينة تجعل المواطن ينحنى فى ذل وخضوع أمام الموظف القابع فى عظمة خلف الشباك.
إذا أردنا ان نشعر بالفعل بثمار التنمية الاقتصادية، ونتنفس الصعداء بعد حبسنا انفاسنا فى صدورنا عقودا فى انتظار الأمل والخلاص، وإذا أردنا أن نواكب أمما تقدمت وتحضرت وسبقتنا خلال سنوات معدودات، بعد أن كانت منهكة مهزومة جائعة، علينا أولا تفعيل دور كل الجهات الرقابية فى مصر بقوة، مهام هذه الجهات لا يقل ابدا أهمية عن دور البناء والإعمار والتنمية الذى يجرى على قدم وساق، الفساد مقبرة الإصلاح، والا يستثنى من الفضح والعقاب أى مسئول أو أى من الرؤوس الكبيرة فى أى موقع، على أن يتم عرض حصاد أعمال الجهات الرقابية بشفافية بصورة دورية امام الشعب، لطمأنة المواطنين ان جهود مكافحة الفساد تسير بخطى ثابتة وصحيحة، ثانيا تشديد العقوبات فى جرائم الفساد إلى أقصى عقوبة، فكيف نحكم بالإعدام على من قتل نفسًا عمدًا، ونحكم ببضع سنوات على من تعمد قتل شعب بنهب أقواته وأمواله وإهدار حقوقه، فى الدول الأوروبية جرائم الفساد والمال العام عقوبتها أشد من عقوبة من قتل شخص، لان الفاسد يقتل شعبًا،.. وللحديث بقية