رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

 

العلاقة بين المبدع والمتلقى تحتاج إلى فض الاشتباك بينهما، وإماطة اللثام عن وجهيهما بُغية تصحيح المفاهيم واستجلاء المعنى، فإذا قصدنا بالمبدع- هنا- أنه كاتب النصوص الأدبية (رواية- قصة- شعر) بعيدًا عن باقى الفنون التى لها مكانتها الرفيعة، فإننا بصدد معرفة كَنْه المتلقى كمتذوق لهذه الأجناس المختلفة، فما هو طوره العمري؟، ومن أى طبقة؟، ومدى ثقافته واتساع رؤيته وقدرته على فهم النص وتحليله والاستمتاع به، الأمر الذى قد يجعل المبدع فى حيرة من أمره متسائلًا لمن أكتب؟ وهو سؤال- بتقديرنا-  يجانبه الصواب، ولا يجب طرحه، ذلك أن الكاتب حريٌّ به أن يعبر عن إخفاقات مجتمعه وقضايا وطنه بطرائق فنية ولغة متميزة، وهو فى تعبيره يتكئ على إنسانية الإنسان فى مواجهته للأحداث الضارية ومجابهته لها، ليحقق ذاته عبر استشراف ومضات أمل تلوح له فى الأفق.

 

لذلك لا ينبغى للمبدع أن يشغل نفسه بالقارئ كثيرًا، سواء كان القارئ نموذجيًا أو ضمنيًا أو حقيقيًا، ولا تعنينا مثل هذه التصنيفات وغيرها، فانشغال المؤلف بالمتلقى من شأنه أن يوقعه فى فخاخ التبسيط والتسطيح بحُجة وصوله إلى أكبر جمع من القراء.

وقد فعل ذلك البعض وسقط فى هوة التقرير والمباشرة ومعالجة القضايا عبر الإبداع بسذاجة نالت من مكانتهم كأدباء وأمكنة حرفهم.

ليس معنى ذلك أن يتخذ المبدع الغموض منهجًا، أو يستدعى الألفاظ المعجمية المقعرة إلى عالم نصوصه، فكم من كتَّاب لا يُحصى عددهم صاغوا رؤاهم بكلمات سهلة سلسة وظل لكتاباتهم عمقها المؤثر كنجيب محفوظ ويوسف إدريس فى مصر، ونزار عبدالستار وعلى لفته سعيد فى العراق، وحنا مينا وحيدر حيدر فى سوريا، وغسان كنفانى فى فلسطين، وواسينى الأعرج فى الجزائر.

وفى الشعر برز محمود درويش وسميح القاسم وصلاح عبدالصبور ونازك الملائكة وعبدالوهاب البياتى وبدر شاكر السيّاب وغيرهم، ومع ذلك انتشروا وصار لهم جمهورهم الكبير فى سماء الذائقة العربية.

فكل هؤلاء اتسموا باللغة المفعمة بالصورة والبلاغة الحداثية والتناول العميق فاستحقوا اهتمام متذوقى الأدب بهم، فالإبداع الفنى الحقيقى هو الذى يصنع مريديه وليس التسطيح والاستسهلال والنزول إلى مستويات التدنى كما قد يزعم البعض.

وليس تعاليًا من المبدع الجاد إذا اعتنق فكرة أن من يريد أن يقرأ إبداعًا جادًا عليه أن يسعى إلى محاولة فهمه وفك شفراته إن وُجِدَت، ولا يغيب عنا دور الناقد الذى هو فى الأساس كاشف لدجى بعض النصوص ومفسر لمواضعها، وفاتحًا الطرق أمام الذائقة العاشقة للإبداع كى يساعدها على فهم ما غلق وما أُبْهِم وما استعسر.

وليس معنى ذلك أن ما يذهب إليه الناقد من تحديد لأطر النص مُلزِم للمتلقى، فالنصوص- عامة- فضاؤها متسع لتعددية التأويل التى من شأنها إثراء النصوص، فقد يصيغ المؤلف ذاته بوعى أو غير وعى وقد يستلهم التراث، ويستدعى الأسطورة، ويستعين بالرمز، وأذكر فى أحد اللقاءات مع عملاق الرواية العربية نجيب محفوظ أن أحد الأصدقاء مال عليه هامسًا بأن شخصية «حميدة» فى رواية «زقاق المدق» هى رمز للوطن، فأومأ برأسه موافقًا، وحين همس إليه آخر بأن «حميدة» هى رمز للطبقة الكادحة وافقه أيضًا، ومحفوظ فى ذلك وتلك مُحقٌ، فلا يجوز للكاتب إخراج أعماله من رحابة التجريد والدفع بها إلى رحم التحديد بتفسيرها وشرحها لأى متذوق.

إن العلاقة بين المبدع والمتلقى جديرة بأن تقوم على الاحترام المتبادل، فالكاتب يقدم بأمانة فنية حقائق قد تبدو غائبة، ويحثه على اتخاذ موقف تجاه الانكسارات والانتكاسات أيًّا كان نوعها.

والمتلقى عليه أن يتفهم طبيعة الإبداع وأطوار تطوره، وأنه كائن حى لا يثبت على حال ولا يتشبث بشيء، وأن ما يظنه قاعدة قد أضحت مألوفة عند البعض يمكن كسرها وتجاوزها عند البعض الآخر.

الإبداع- فى نهاية المطاف- كائن حى يشب ويكبر لكنه- أبدًا- لا يهرم ولا يموت.

والمتلقى باقٍ ما بقى الحرف الراقى يغرد فى سماء الإبداع وآفاق الثقافة.