كلمة حق
يتزامن هذا العام احتفال المسلمين بالمولد النبوى الشريف مع احتفال المسيحيين بأعياد الميلاد المجيدة، فالوطن والمصير واحد، وقد كانت أحداث ثورة 1919 دليلاً عملياً على عناق الهلال مع الصليب على سارى الوطن، الذى ارتفع فى وجه المستعمر الإنجليزى آنذاك. كان القمص سرجيوس فصيح اللسان، خطيباً للثورة العرابية، وكان أول مسيحى يخطب فوق منبر الأزهر فى ثورة 1919 منادياً بالوحدة الوطنية، وكان أعضاء الوفد الذين حكم عليهم بالإعدام سبعة، ثلاثة من المسلمين هم: حمد الباسل ومراد الشريعى وعلوى الجزار، وأربعة من الأقباط هم مرقص حنا وويصا غالى وجورج خياط وويصا واصف.
يمر الزمن وتختلف الظروف، ويظل المعدن المصرى أصيلاً فى المحن والشدائد، كما تروى حكايات البطولة والفداء فى حرب أكتوبر، فقد كان الضابط باقى زكى يوسف هو صاحب اقتراح استخدام مدافع المياه، لهدم الساتر الترابى على الضفة الشرقية لقناة السويس، بعد احتلال إسرائيل سيناء فى 1967، وكان قائد الفرقة اسمه سعد زغلول عبد الكريم فاجتمع مع الضابط «باقى» وطلب منه تسجيل فكرته باسمه، ليتصل به فيما بعد: «أنا مضيت النهاردة على أشرف وثيقة، وأنت أديتنا مفتاح بوابة النصر». استلهم الضابط باقى زكى يوسف القبطى فكرته مما كان يحدث فى بناء السد العالى، حيث كان من الضباط المهندسين الذين عملوا فى ملحمة بنائه الخالدة، تلقى جمال عبدالناصر الفكرة فى اجتماعه الأسبوعى بقادة التشكيلات بمقر القيادة العامة للقوات المسلحة، وأمر بتجربتها، وعلى ضوء هذه التجارب تم إقرارها، وتنفيذها فى خطة العبور، ولم يكن غريبا أن يكون قائد الجيش الثانى الميدانى فى حرب أكتوبر اللواء فؤاد عزيز غالى.
ولنا فى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الأسوة والمثل، فقد قال: «استوصوا بالقبط خيرا، فإن لهم ذمة ورحما»، فكانت مارية القبطية هى أم ولده إبراهيم، ليصبح المصريون أخوالا لابن النبى الكريم.
من المدينة إلى القدس مشى عمر بن الخطاب بناقة وخادم معه، وزاد من الماء والخبز والتمر، يتلوان سورة يس، كان عمر رضى الله عنه يركب ناقته ساعة، ويمشى خادمه، ثم ينزل ليركب خادمه ساعة أخرى، ويمشى هو، ثم يمشى الاثنان ليريحا الناقة، حتى وصلا قريباً من الجيش المحاصر للقدس بقيادة أبوعبيدة بن الجراح، وبينهما منخفض ملىء بالماء والطين، وكان الخادم راكباً، وعمر ماشياً بيده مقود الناقة، خلع أمير المؤمنين نعليه، شمّر ثيابه إلى ما فوق ركبتيه وخاض الوحل، حتى يجتاز المنخفض. ويذكر كتاب يونانى مخطوط فى دير المصابة حادثة مجىء الخليفة عمر بن الخطاب رضى الله عنه يتسلم بيت المقدس، حتى إذا استقر الركب عند الباب، نزل إليه رئيس الأساقفة «صفر يانوس»، البطريرك، وبيده مفاتيح القدس، وبعد أن سلّم عليه، قال له: إن صفات من يتسلم مفاتيح إيلياء (بيت المقدس) ثلاثة، وهى مكتوبة فى كتابنا - يقصد شروح الإنجيل: أولها أن يأتى ماشياً وخادمه راكب، ثانيها: يأتى ورجلاه ممرغتان فى الوحل، وثالثها: لو سمحت أن أعدّ الرقع التى فى ثوبك، فعدّها، فإذا هى سبع عشرة رقعة! فقال: وهذه هى الصفة الثالثة، وبعد أن تسلم الفاروق مفاتيح بيت المقدس، وقّع مع أهلها النصارى «الوثيقة العمرية» التى جاء فيها: هذا ما أعطى عبد الله عمر أمير المؤمنين أهل إيلياء من الأمان. أعطاهم أماناً لأنفسهم وأموالهم، ولكنائسهم، أنه لا تسكن كنائسهم ولا تهدم. ولا ينتقص منها ولا من حيزها. ولا من صلبهم، ولا شىء من أموالهم، ولا يكرهون على دينهم، ولا يضار أحد منهم.
ثم جاء وقت الصلاة، وهو فى كنيسة القيامة، فأعلن لمن معه أن الكنيسة مكان عبادة الله، ومسموح له أن يصلى فيها، ولكن يخاف أن يأتى يوم يقول فيه المسلمون إن عمر الفاروق صلى هنا، فيقتطعون من الكنيسة مسجداً لهم، فخرج وصلّى على بعد 500متر منها، حيث شيد مكان صلاته مسجد سمّى بمسجد عمر، وهو يبعد نفس المسافة عن الأقصى الذى كان منه معراج الرسول صلى الله عليه وسلم إلى السماء.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض