السؤال الأشد ألماً على أحرار قوميتنا العربية، خاصة فى ظل أوضاع مأساوية تغزو أرضنا الطيبة، وماذا بعد اعتذار تونى بلير عن غزوه الأحمق للعراق عام 2003م، وما جدوى هذا الاعتذار، وما المقصود منه ؟ ولماذا خرج فى هذا التوقيت بالذات؟ أسئلة قد لا نجد لها إجابات شافية، هكذا يظن المرجفون فى المدينة، الذين لا يزالون حتى اليوم يحسنون الظن بالغرب، ويسيئون الظن بالشرق أيا كان لونه، وأيا كانت توجهاته وعقائده، تلك الآفة الكبرى والطامة العظمى، أن قطاعاً كبيراً من أبناء العروبة لا يزالون حتى اليوم يستغشون ثيابهم بآذانهم ويطفئون نور أبصارهم عن حقيقة الغرب، تلك الحقيقة الطاعنة فى عمق كراهية كل ما هو عربى وإسلامى، بل وإنسانى، ولا أدل على ذلك من مخططاتهم الدائمة لهدم الشرق منذ سايكس بيكو وزير خارجية فرنسا وبريطانيا، الدولتين العظيمتين آنذاك، بل ومن قبل ذلك فى عنصرية شاذة دعا إليها أفلاطون وأرسطو فيلسوفا اليونان الكبيران، حيث أباحا لليونانى استرقاق غيره من الأجناس الأخرى فى حين حرموا عليه استرقاق يونانى مثله، كما وضع أفلاطون تشريعات خاصة بالعبيد بمثابة وصمة عار فى جبين الإنسانية الغربية أينما حلت أو ارتحلت، حيث قتل العبد لأقل خطأ، وعدم وجود أدنى مسئولية قانونية على السيد إذا ما تلطخت يداه بدماء العبيد، بل أبعد من ذلك، فالعبيد ليس لهم أنفس تقدس ولا حياة تحترم.
وإذا ما سرنا فى نفس الاتجاه فسنجد مؤلفات عظمى تشرح وتحلل وتؤرخ لهذه العنصرية الغربية من ناحية، ومؤلفات أخرى بلسان بنى قومهم يحذرون من انهيار الحضارة الغربية إثر الانزلاق الغاشم نحو المادة واللذة والشهوة وكل آليات الحس، فى مقابل إغفال كل القيم الروحية..
حضارة جوفاء .. وعدالة عرجاء .. وديمقراطية مشوهة الوجه مستبدة الغاية، تلكم بحق أوهام الديمقراطية الغربية.
تبقى التساؤلات الأولى إذن بلا إجابات، فأى إجابات تبدو مقبولة عند مدمنى ترويج الإشاعات، ولو ظنوا أن بليد اليوم يفاجئهم بهذا السر فيما يظنونه سراً، لأنه رجل صاحب مبدأ وذو ضمير حى، أو أنه أسرَّ إليهم بهذا الحديث ليفضح بعض العملاء العرب الذين كانوا متربعين على عرش السلطة فى الأقطار العربية آنذاك، ليضع فى رقابهم وصمة العار وذل الخيانة أبد الدهر، أو أنه ربما قال ذلك ندماً على ضياع الشرق الأوسط ومحاولة روسيا لاستعادة دورها العالمى سابق العهد عبر التدخل المباشر فى سوريا وتقلص الدور الأمريكى الذى كان له بليد العصا واليد، فكل ذلك من قبيل التكهنات التى لا تنفع ولا تضر أو هى مجرد قراءة لمشهد سياسى فشل مخرجه عدة مرات يراه الأقزام مشهداً جديراً كل الجدة.
لكن يبقى السؤال أيضاً، وماذا بعد الاعتذار ؟ هل يقدم أو يؤخر هذا الاعتذار فى أحداث باتت قاتلة فى وطننا العربى، وبات شررها المستطير خطراً على بنى البشر جميعاً بمن فيهم موقدو النار ومشعلوها، وعلى خطر رأسهم بلير وعصبته الظالمة !!
وقبل أى إجابة، دعونا نأخذ هذا الاعتذار على الوجه الحسن أو نحسن الظن فيه وفى شخص قائله، لنطلب منهم بصفة مباشرة أن يكفوا أيديهم عن صراعات الشرق، وأن ينسحبوا من ليبيا، وأن يثبتوا لنا بحق صدق هذا الاعتذار وأنهم ندموا بحق على تدخلهم فى الشئون العربية ؟ فهل يسمعون ؟ وهل يستجيبون ؟!
ولعل هذا أكبر دليل على ازدواجية المعايير لديهم، وأصدق دليل على كذب هذا الاعتذار الذى يعده البعض انتصاراً تاريخياً للأمة العربية، إذ بان حقها بعد ردح من الزمن ؟!
وماذا يا سادة بعد بيان هذا الحق، هل يُعيد المعتدون الأرواح للأجساد التى فارقتها إثر غدرهم وقتلهم وخيانتهم، وهل يعيدون بناء العراق فيها قبيل الغزو، وهل يردون الأمانات إلى أصحابها ويُعيدون ما سلبوه من خيرات أرضنا وجهد شعبنا العربى، إنه مجرد كلام لا يساوى ثمن المداد الذى كتب به، مجرد ظاهرة إعلامية مارست الخيانة واللصوصية والمخاتلة منذ زمن بعيد، ويظنون أن هذا النفاق العلنى للقيم والهتك العلنى للمبادئ سوف يمر على الشعوب التى طالما استكانت وخنعت، وسوف يقبله المثقفون من أبناء أرضنا العربية، لتبقى الكلمة الأخيرة، والقرار الأخير بيد الشعب العربى وحده، فهو صاحب الكلمة، وصاحب القرار، وصاحب المصير.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض