تجليات التراث ومرافئ الوجدان: قراءة في شعر إيمان بوشناق
شامخ الشندويلي
تنساب تجربة الشاعرة إيمان بوشناق من نبع إنساني وعربي أصيل، لتشكل ظاهرة شعرية تتداخل فيها الروحانية بالوطنية، والعاطفة الذاتية بالقضايا القومية الكبرى. حيث تجمع في قصائدها بين التراث الإنساني والإسلامي، مستدعية الرموز الدينية والرمزية التاريخية لتعيد بناء الواقع بلغة حية، مشحونة بالصور والموسيقى التي تتأرجح بين الأصالة التراثية والتجديد الوجداني.
تظهر في قصيدةالبتول براعة استدعاء قصة السيدة مريم عليها السلام تربطها الواقع العربي والمصري بوجه خاص. تحمل القصيدة شحنة أمل وتحدٍّ تنبع من رحم المعاناة، حيث يتحول الصغير الضعيف إلى قوية تنبت العزة والشمول. تقول:
وهُزي إليــــكِ بجــــذعِ الغرامِ
يُساقــــط عليـــــكِ شبابًا فتيــا
تقرُّ العيـــــــونُ فلا تحــــزنـي
إذا ما رأيــــتِ الضعيــفَ قويا
أجاءَ المخــــاضُ ألا تصرخينَ
بوجه العداةِ صُراخًا جليــا
وضعـــتِ الوليدَ جميلاً وسيمًا
وجيهًا سميحـًا مليــــحَ المحيّا
أتــى الطفل يبكي وأمسى غـلامًا
شديـــدًا صمـــودًا عزيزًا عتيا
يداعبـــه عندَ الصــباحِ النسيمُ
وترنـــو له في المسـاءِ الثريا
غدا النيـــلُ نهـــدًا لذيذَ الطعامِ
وشهــــدًا زلالًا فراتًـــا شهــيا
فغذيـــهِ أمّـــي من النهـرِ عزا
بل اسقيــهِ أمي من النهرِ ريَّا
يشــبُّ الغلامُ على العهد دومًا
رســـولَ الســــــلامِ وبرًا وفيا
يصاحـــبُ عندَ السـلامِ الحمامَ
بوجـــهِ الأعادي عنيدًا عصيـا
كتاريــــخِ جَدي بوجـهِ التراثِ
ترى فيـــه جــــدي أصيلًا أبيا
فللهِ يبـــــدي انكســــارًا وذلًا
رقيـــق الفؤادِ طهــــــورًا تقيًا
ويبــدي الولاءَ لأرضِ الجدودِ
ويُهــــدي العطاءَ كريمًا حفيــا
فهُــــزي إليـــــكِ إذا تطلبـــينَ
ينادي حنانيـــــكِ للصعـبِ هيا
ســــــلامٌ عليه إذا مــــا وَلَدْتِ
ســــــلامٌ عليـــه شهيدًا وحيـا
وهكذا استخدمت الشاعرة التناص مع القرآن الكريم في ألفاظ مثل "هزي إليك"، "جذع الغرام"، و"ينادي حنانيك"، مما أضفى أبعادًا روحانية وسامية على صورة النيل والوطن الذي يرضع أبناءه الكرامة.
أما قصيدة عهد، فتنقلنا إلى النجوى الذاتية والعاطفة المشتعلة عبر مساجلة رقيقة مع القلب الذي نقض العهد وغرق في العشق. تطرح القصيدة صراعًا بين العقل الداعي للسلامة والقلب الرافض للقيود، منتصرة في النهاية لمبدأ الحذر من صغائر الأمور التي تولد الحرائق. تقول:
نَقَضْتَ العهدَ ياقلبي
ورُحْتَ ترومُ ذا الخدْرِ
سرابُ الغيدِ أغواك
وقد أغراك بالهجرِ
أما كنا تَواعدْنا
بأن نَبقى مدى العمرِ
بلا عشقٍ بلا سهرٍ
بلا سُهدٍ بلا مُرِّ
بلا وجْدٍ بلا شوْقٍ
بلا قيْدٍ بلا أسرِ
فكيف هجرْتَ أحْشائي
وكيفَ هرَبْتَ مِن صدري
ومَن أغراك َبالهجرانِ
مَن أغراك بالغدرِ
وفيم َ رحلتَ منكسِرًا
وكيف أمِنْتَ للغيرِ
ولو تبقى خليَّ البالِ
هل يَمْسَسْك من ضُرِّ؟!
ألا فاهبِط على كفِّّي
ألا واصْدَع إلى أمري
ألا فلْتطفيءِالنيرانَ
ولْتعزف عن الشرّ
فإن عظائمَ النيرانِ
من مستصغرِ الشررِ
لقد تجلت براعتها في الحوارية الشجية التي أدارتها الشاعرة مع قلبها بكثافة لغوية وتدفق عاطفي صادق .
تتسامى الصورة في قصيدة دقيقة حداد لتصبح وثيقة احتجاج سياسي وإنساني شديدة اللهجة.
كما نلاحظ نقد القصيدة الواقع العربي المتخاذل والجبن الخشبي أمام المأساة، مشيرة إلى رمزية يوسف عليه السلام والقميص والذئب لتكشف عورة الهوان والبيع على الملأ.
قَدُّوا قميصَ العدلِ ثم
تقاسم السيَّارةُ الأكيال
في رحْلِ مَنْ وضعوا الضمير؟
ضلَّ المسير؟
والبعرُ دلَّ على البعير
وقميصُ يوسُفَ بينهم
قد جفَّ في أطرافِه ماءُ الوجوه
والذئبُ بالَ على القميصِ
على العِمامَةِ والكَرامَةِ
بالقِمامةِ بيتُ لحْمِي دنَّسُوه
أين لمسيح؟!
نحن الخراف
ثُغاؤنا صمتٌ طويل
حِراكُنَا
جُبْنٌ وَخَوفٌ
و انْحِنَاء
وكلابُنا الخَرْسَاءُ غِيضَ نباحُها
عَبَثًا تَزُوم
عرجاءُ لا تجري ولا تدري النَّبَأ
حمقاءُ لا تعْوي ولا تحْمي الكَلَأ
نصَبوا المزادَ على المَلأ
ذا مُشْتَرٍ .. من ذا يَبِيع؟
ماذا يضيرُك من يضيع؟
السلخُ لا يؤذي الخِرافَ إذا قَضَتْ
ألِفُوا الترف
ألِفُوا الخرف
ألِفُوا القرف
تحت العمامةِ حاسرين
تحت العِمايةِ خاسرينَ فلا بصيرةَ لا بصر
أين البشر؟
يعقوبُ قم
أنقِذ بلاد اللهِ من عبث القرود
واتلُ الصحائف و الورود
فلعل آيَ الله تهدي الغافلين
كفكف دموع الأربعين
واكفف ذراع الغدرِ عن أرض المعاد
ولتشف صدرَ المؤمنين
اجلُ العيون
هاهم عيالُك تائهينَ
مُفَرَّقين بألف باب
لم تعْمَ عينُ الظالمينَ
وإنما
عمِيَتْ قلوبُهم التي بين الصخور
يتخامرون ويشربون دم الذبيح
لا يكتفون
لو ألف كبشٍ يشفعون
وتَرى زليخةَ بالنجوم ازَّينت
قد غلَّقت أبوابَها
أرخت عمامة حَبْرَهم
مالت وقالت هيت لك
كيدٌ عظيم
وغياهبُ الجُبِّ الضَّريرِ مَن استحلَّ دِلاءَها
عطشى تفتشُ عن مياه
أين المياه؟!
أين الحياة؟!
تُحْنى الجباه..إذا نبا حد السيوف
يفنى القطيع
إن لم يكن راعي الضياعِ هو الزئير
إن لم يكن صوتُ الضميرِ بساحِ ضيعتنا طرف
ويكونُ دستورُ الحياةِ هو الإباء
و أن نعيشَ بكبرياء
شرفُ البلادجنودُها
ختمُ الشهيد على العلم
حكمٌ علا سيفَ القلم
تاجٌ على مايسطرون
صوتُ المعامع يهتفون
شأنُ الوغى ريبُ المَنون
وقصدها
بعثُ الكرامة في الجفون
شرفُ البلادِ رجالُها
القابضون على الجِمار
أُسْد القفار
لا يرقصون بمسرحين
لا بين بين
فدع القطيعَ وكن بأرضِك راعيًا يرعى الشموخ
كن قاضيًا صلبَ الحصون
(لا يسلمُ الشرفُ الرفيعُ من الأذى)
حتى يكون
أو لا يكون..
وحينَها
ألقِ القميصَ على الجبين
يرتدُّ في التَّوِ البصر
شمسٌ وبدرٌ
يسجدان
ويحصحصُ الحقُّ المبين
ويعودُ للعرشِ القمر
نلاحظ تنوع التفعيلة لتواكب الانفعال المتصاعد، وتميزت الصور بجرأة التعبير وواقعيته القاسية كما في قولها "والذئب بال على القميص"، مع استدعاء مقتبس بديع من أحمد شوقي "لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى" لتختم الملحمة باليقين والعودة للعرش.
وفي قصيدة سرب سعادات، تنكشف غنائية الروح التائقة للتطهر والتعافي من أوجاع الزمن. تمثل القصيدة رحلة بحث عن الخلاص والنماء من خلال الموسيقى والفن والاستغراق في الطبيعة. اعتمدت الشاعرة شعر التفعيلة ذي الإيقاع الهمسي السلس، تقول:
غنِّ لي،
غنِّ..
للقلب المنْهكِ،
للروحِ العطشى،
للنفسِ الحيرى
امنحني بغنائِكَ..
يقطينًا..
ينبتُ ما أفسدَهُ الدهرُ
جفتْ دمعاتُ الصَّبارِ..
على كَتِفي،
فاصبُبْ ألحانكَ..
في صدري..
أنهارَ حياة
أيقظْ...
أزهاري النَّائمةَ دهورًا
أطلِق..
في رحم الظُلماتِ بدورا
منذ الموتِ،
ومنذ الفوتِ،
منذ السحبِ السودا..
جفَّ الريقُ،
وبُحَّ الصوت،
قتلوا في فستانِي الورد؛
فاصلبْ قلبي فوقَ الذكرى،
اغسلْ بالتوبةِ آثامَه
اغزلْ بالفرحةِ..
أيامَه
يشتاقُ الأعمى لمسيحٍ..
يفتحُ عينيه،
يُنطقُ أخرسَه،
يأذنُ بقيامةِ أحلامِه
ويتوقُ الجُرحُ لأيديكَ؛
لتُبرئَ سُقْمَه،
يصبو لهطولِ سماواتٍ..
تُجرِي أنهارَك..
في الجدول،
في شقِّ الصحراوات،
وشرْخِ الروح،
وكهفِ الصدرِ
بارتْ أرضي،
انتحبَ الزرعُ
أزْرتني ريحٌ حمقاءُ..
تلاحقُني...
في كلِّ شروق،
في كل هروب؛
فلتغدقْ طميَ ضفافيَ...
بالغيثِ الأكبر
أُثمِرُ سُكرْ
أَمْطِرْ كَرَمًا،
أُنْبِتُ كَرْمًا..غضًّا أخضر
يتراقصُ...
في طرفِ قميصي..
طلعُ الزهرات
أروي برحيقِ بساتينكَ..
عطشَ الفيفاء
أشطفُ روحي..
في عذبِ فراتِك
وبغمضةِ عينٍ..
يزدانُ الغصنُ،
يجنُّ اللحنُ،
يدور الكونُ
بغمضةِ عينٍ..
تسكبني.
. كأسِ نبيذِكَ..
سربَ سعاداتٍ
وهكذا تلاحقت الصور المجازية الرفيعة كدمعات الصبار وشتلات اليقطين وزهر القميص، لتبرز بناء تصويريًا يحول الحزن الصامت إلى أمل وتجدد دائم.
في قصيدة سمراء اليمامة، تعود الشاعرة إلى الجانب الحضاري والتاريخي لتنسج أنشودة في حب المرأة المصرية والنيل والتاريخ الفرعوني. تعلي القصيدة من قيمة الحياء والشرف كأعظم تيجان النساء، وترفض السطحية في تقييم الجمال. تقول:
كيمامةٍ تغفو على صدرِ العفافِ..
نُمَيْرَةٌ..
وقتَ الشدائدِ والمحن
من ضرعِ نهرِ الخيرِ..
أرضعَها الحيا،
ذاقت؛ فذابت،
وارتوت..
كرمًا وطهرًا،
واستوتْ،
ثم اعتلتْ
عرش الصبا،
عرشَ الجمال
كانتْ عروسَ النيلِ..
في سفرِ الزمانِ،
وكان مهرًا يافعًا،
إيزيسُ تسكبُ عشقَها..
قُبَلَ الحياةِ..
على جبينِ الكادحينَ،
الصامدينَ، الخالدينَ..
"كمومياء" لينتشوا؛
فتعود للميْتِ الحياة
تستقبلُ السبعَ العجافَ بسبعِها،
وتبثُّهُ سرَّ الخلاص
تعويذة الحضنِ الوثيرِ..
بقلبِها..
كنزُ السنينِ، ومبتغاه
نادت "نفرتاري" الجمالَ؛
فأورثته بناتِها..
حكرًا على تلك العيونِ الناعساتِ..
القاتلاتِ
القائلاتِ هنا الجمالُ
إذ الجمالُ هو الحنانُ،
هو الضمانُ..
لكل دفءٍ شاردٍ،
وهو الخلود
ميلادُ حُلمٍ..
في دروبِ السالكينَ الباحثينَ..
عن الشرفْ..
ليس الترفْ..
تاج البناتِ
وإنما تاجُ البناتِ
هو الحياء
سمراءُ كانتْ سيدةْ
هذي الحياةْ
فتلتْ من الجبلِ الأشمِ وريدَها صخرًا،
يذود عن الفضيلةِ والقيمْ،
ثم انزوت؛
لتكونَ ضلعًا أعوجًا من سيدٍ..
عند العرين
وتكونَ ظلًا ناعمًا..عند الحرور
وتكونَ كالحبلِ الوتينِ،
تكونُ نعمَ السيدةْ..
بين البنين
الأمرُ مِن فيها..
فروضٌ كالصلاةِ بكل دينْ
من طرفِ أنملها تضاءُ الشمسُ،
تشرقُ في بساتينِ السنين
شرفاتُها في الغيمِ تضحكُ..
للبدور
تلك التي لم تعرفوهَا،
إنكم لا تعرفون
لأنها درُّ المحار،
والدر غالٍ..
لا يُرى بين الأيادي..
والحصى.. تحت النعالْ
ولتعلموا
أنْ ليس للدرِّ شبيهٌ أو مثالْ
أحفاد "مينا" لمَّعوه وغَلَّفوه،
وأخفوَا السرَّ الدفينَ..
بداخل البحر الأبيّ..
السرمديّ..
الغائر
ولأنه دومًا يغارُ..
على العروس الكاحل؛
أخفى عليكم..
طرفَ طرفِ ثيابِها،
حتى اسمها..
أحصاه عيبًا..
ذكره بين الرجال
من فرطِ رفعةِ قدرِها،
وغُلُوِّها وجمالِها؛
أخفى الحبيبةَ في عميقِ القلبِ
وأسرَّ المحار
لقد مزجت الشاعرة رموزًا تاريخية متعددة كـ "إيزيس"، "نفرتاري"، و"أحفاد مينا"، معتمدة على التلوين الموسيقي للتعابير والتناغم بين الفصاحة والأسطورة لتصوير المرأة كدرة محار مصونة.
تبلغ الذروة المأساوية والحماسية في قصيدة ترنيمة العنقاء، وهي نص ملحمي يجسد الصمود الفلسطيني وسط الركام. تنتصر القصيدة للحق والأمل العصي على الإباد، مفندة الخذلان وحاشدة لرموز الأنبياء والمقدسات في القدس وجنين وبيت لحم. تقول:
هذي يدي
من تحت أنقاض الركام
أمدُّها
كانت تصافحُ دميتي..
أفلتها مقهورةً
فاضت يدي..
والخافقُ المصلوب حيّ
من بين غيم الليل سالت دمعتي
من فوق تسبيح الرعود المقدسي
أرسلتُها
قطرًا يغيث الحائطَ الباكي بساحةِ حجرتي
نورًا يعيدُ العيدَ والفرحَ العصِي
يابائعَ الألعاب..
لو قابلت يومًا حُلوتي
فاهمِسْ لها
أنِّي على عهدِ اللِّقاء..
وابنِ الوفا صرحًا كبيرًا من ضياء
وانثر أنينَ قصيدتي
في كلِّ حي
ولْتشرِ لي سيارةً
تمشي بلا أَسْرِ الوقود
وسفينةً تسمو بأجنحة النوارس
و لتسرِ بي للفجرِ ..
للأحلامِ والأنغام ..
للصبحِ الوَلود
اِحمِل بها صَحبي وألعابي
وبروازًا لعائلتي
وباقاتِ الورود
وبقيةً من ذلك الجسمِ الطَّري
ترسو بنا في شاطئٍ للأمن للإنصاف ..للإحسان
في عالمٍ إنسان..
سكانه في عزةٍ وكرامةٍ
ترعى العهودَ،وتنبذُ الخذلان
فالغدرُ يكوي الجُرحَ كيّ
العار يا عمَّاه
رأسُ نعامةٍ غاصت برملِ الذلِ ثم تخضبت بدمي الزَّكي
وحثالة التاريخ قد أغرت خنازيرالخنا
فكذا استراحت واستباحت عِرضَنا
والعِرضُ يا عمي نبي
في كل خزيٍ بالجرائد صورتي
وضفيرتي شابت وماشاب الأسى
فحزينةٌ مثلي الضفائر
وشريدةٌ عني الضمائر
في شاشة الأبصار ثَمَّ تروْنني
فإلى متى عماه تنكرُني البصائر
قد يستعيد الفجرُ بعثَ الراقدين
أو لا يُعيد..
أما أنا
لي ما أريد
لي قلبُ أميَ في التراب يضمني
وأبي أبيّ
لي عزمُ ليثٍ لا يكل ولا يلين وكذا يميني كلَّ حين
تحت الركامِ وفوقَه ..
تلوي ذراع البَغْيِ لَيّ
ماضل قبطانُ السفينِ وماغوى
والنهرُ فاض وما طغى
غمرَ الحياةَ بمائه
فابتل ريقيَ وارتوى
والماءُ يحيي كلَّ شي
فبإذن من خلق المياه
ستريعُكم أشباحُنا تحت الهدد
وسيرسل الله المدد
سيعزنا ربي وإن قلَّ العدد
سبحانه الله القوي
أفيالُكم ستبيدُها أطيارُنا
ستظلُّ تكسرُ أنفَكم وظهورَكم
ما هَزَّنا صوتُ الصَّليل
أسيافُكم من فضةٍ أحجارنا سجيل...
العنكبوت بنى لكم
و بناؤنا صَلبٌ عفي
وحبيبتي
قد لملمت أشلاءها
وتجمعت تحت الصخور
تتلو الوصايا العشرَ
أسدت عشرَها
ثم انثنت
تصغي بصمتٍ
للملائكِ سائحين
القدسُ عادت للصلاة
وأنا بأرض اللهِ محضُ رسالةٍ
في طرف زاجلةٍ تجوب العالمين
ورسالتي تذكي الحرائقَ في قلوب المنصفين
ألقيتها في روحهم
وقبضت من أثر الرسول كرامةً
ونسفتُ عجلَ السامري
وغدًا لنا
في بيت لحمٍ والجليل
في طولِ كرمٍ أو أريحا والخليل
في ساحةِ الأقصى العتيقِ
وقبتيه
يعلي بلالٌ صوتَه الغضَّ الشجي
ويصيح حي على الفلاح
فترى صفوفَ الأنبياءِ تهيؤوا لصَلاتِهم
وترى البشيرَ إمامَهم
قمرًا بهي
يا دميتي
تيهي فخارًا وانتشي
ياظلَّ عيسى عند سفح الناصرة
قبسٌ لموسى عند سفح الطَّوْد في سيْنَاء
أيقونةٌ للنصرِ في حطِّين
فلتغفري للخاسئين
ذي قصتي
ذي دميتي
مثلي أنا
مثلُ الأساطيرِ القديمة
كاللوحِ كالأقلام
مثلُ جناتِ الخلود
دميتي مثلي
ومثليَ لا
يموت
نلاحظ استخدام الشاعرة البناء الدرامي المتصاعد الذي يبدأ بخراب الدمية تحت الردم وينتهي بصعود الإيمان والبشير إمامًا، في معزوفة تفعيلية مليئة بالرمزية والدلالات الحية القوية.
وتأتي قصيدة الدمية كصوت خافت ومكمل للمأساة الذاتية والوجدانية، حيث تتجسد الخيبة والاستسلام لضياع المأرب. تعبر عن نقطة الانكسار ودعوة لإفلات القيد والرحيل عن الأوهام. تقول:
وَكَطَرْفِ قميصِكَ أنسدلُ
عالقة ً في طرفِ المشجبْ
لا حولَ ولا قوةَ إلا
لدموعٍ آثرت المهربْ
تفلتُ من قيدِ الأجفانِ
لكنْ ماجدوى أنْ تهرُبْ
فكُؤوسُ الخيبةِ تغمرُني
تُرغمُ أوردتي أنْ تشرَب
خليني قدْ تاهَ سفيني
مابين المشرقِ والمغرب
ياليت القطر َهما غيثًا
في قلبِ الليلِ بلا غيهبْ
يا أجملَ أحلامِ الماضي
قد ذبُلَ الزهرُ فلاتعجبْ
ويمامةُ عُشِكَ زاهدةٌ
صارت لا حاجةَ لا مأربْ
ماعاد مدادُك يُطربها
ماعادت تكرهُ أو تُحبِبْ
فانزع ْحَبْلَكَ من مِعْصَمِها
ولتلْقِ الدُّميةَ ولْتَذْهَبْ
هكذا صاغت الشاعرة القصيدة بأسلوب قطعي موجز وألفاظ مشحونة بالمرارة والأسى، جعلت من "الدمية" رمزًا للشيء المهجور المعلق على مشجب الخيبات.
وفي قصيدة صيحة النور، تتجلى الروحانية المطلقة والنبرة الصوفية الخالصة في مدح الرسول الكريم والتوسل بآل البيت. تعبر القصيدة عن أقصى درجات التواضع والمحبة والتوق للغفران والروضة الشريفة. متوشحة بألفاظ نورانية عذبة تتسق مع مقالات العشق النبوي والتصوف الرفيع. تقول:
يا صيحةَ النّور الذي عمَّ الورى
وسَرى كبدرٍ ضجَّ بالأضواءِ
يا ليت قلبي نجمة.
في ساحِكم،
أو بعضَ رملٍ في ثرى العصماءِ
ياقوتةُ الرحمن..
في عينِ الدّنا..
سَكبتْ خضارًا..
في عُرى الصحراء
يا حلوةٌ..
تجلو العيون بنورِها،
وتنيرُ ليلَ الدجنةِ الظلماء
ماذا أقول إذا مدحتكِ..
يا هوىً..
في قلبِ كلِّ مسافرٍ بكّاء؟!
تهفو القلوبُ إليكِ،
والروحُ انكوتْ،
قدَّمتُ روحي، والمحب فدائي
يا ساكنًا في قلب كل مهاجرٍ.
يا ساكنًا في القبةِ الخضراء
يا ليتني نعلٌ..
بساحةِ بابكم..
ينداس..
حين الصبحِ والإمساء
فيزيد قدري عنده،
يا ليتني..
طيرٌ بسطح القبة الغراء
يا رب بالهادي، وعترته الأُلى
اغفرْ ذنوبًا.. جاوزت أخطائي
واكتب لنا مغفورةً مبرورةً
واختم لنا بالروضة الغنّاء
وفى قصيدة قديسة الأشعار، وهي قصيدة في التغني بالشعر وذات الشاعر. تجسد القصيدة سلطة الكلمة وسحر البيان الذي يخضع له حتى الخيال. ونلاحظ استخدام الشاعرة استعارات مكنية وتشبيهات بديعة تجعل من البحر والأمواج والشطآن شخصيات تتحرك في محراب هذه القصيدة الساحرة.
قَـدِيسَةُ الأَشْـعَارِ فِي مِـحْرَابِـهَا
الـلَّـيْـلُ فِـي أَبْـيَـاتِـهَا سَـهْـرَانُ
وَلَّى الـجَـمَالُ بِنَاظِرَيْهِ لِشَـطْرِهَا
وَالـسِّـحْرُ فَوْقَ سُـطُورِهَا شُطْآنُ
وَسَـمَاؤُهَا قَدْ أَيْـقَـظَتْ نَـجْمَاتِـهَا
وَالـبَـدْرُ فِـي أَجْـفَانِـهَا يَـقْـظَانُ
طَـلْعُ المَعَانِي فِي حَدَائِقِهَا نَمَا
فَـتَـمَايَلَ الـجُـورِيُّ وَالـرَّيْـحَانُ
الـمَوْجُ يَـضْرِبُ كَـفَّهُ فِي بَحْرِهَا
وَالـبَـحْرُ فِـي أَحْـبَارِهَا غَـرْقَانُ
الـرَّمْلُ يَـحْسُو الصَّـبْرَ فِي أَشْـجَانِهِ
وَالـصَّـخْرُ تُـنْطِقُ قَلْبَهُ الأَلْـحَانُ
يَـمْشِي القَرِيضُ مَعَ الوَرِيدِ بِكَفِّهَا
يُـحْصِي الـغَنَائِمَ وَالـهَوَى نَـشْوَانُ
تَـلْقَى الـقَوَافِي مَـلْجَأً فِي صَـدْرِهَا
وَتَـبِـيتُ فِـيهِ لَـطَافَةٌ وَحَـنَانُ
هربت من الشعراء تنشد دفئها
فَكَأَنَّما فِي حِضْنِها الأَوْطَان
وتَـحُومُ أَسْـرَابُ الـبَلَاغَةِ حَوْلَهَا
مُـتَـرَقِّـبَـاتٍ شَـدْوُهَـا جَـزْلَانُ
حَتَّى الـخَيَالُ إِذَا أَنَاخَ بِـبَابِهَا
مَـادَتْ بِـهِ الأَنْـدَاءُ وَالأَغْـصَانُ
فَـبِـيَانُهَا يُـنْسِي الـبَيَانَ لُـبَابَهُ
وَتُـسَـخَّرُ الأَوْتَـارُ وَالأَوْزَانُ
وَالشِّـعْرُ يَـأْسِرُ عِـنْدَهَا شَـيْطَانَهُ
وَبِـأَمْـرِهَـا فَـلْـيَـسْـجُـدِ الـشَّـيْـطَـانُ
ختامًا، تثبت إيمان بوشناق أنها قامة شعرية تمتلك أدوات العروض واللغة باقتدار يتراوح بين العمودي الموزون والتفعيلة الحرة. إنها شاعرة تعرف كيف تطوع التراث والرمز الديني والتاريخي ليخدم قضايا الحاضر، مدافعة عن الكرامة والإنسان والجمال، ومستطيلة بروحها بين النيل والأقصى ومحراب الشعر الصافي.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض