يظن بعض واهمي المعاصرة أن التشكيك في الدين والطعن في ثوابت الغيب والبعث هو نتاج للوعي الإنساني المتطور. لكن الحقيقة أن الإلحاد والكفر في جوهرهما ليسا إلا جهلاً بدائياً موغلاً في القدم، وعقلية عجزت عبر آلاف السنين عن التطور أو تجديد حججها الواهية، بينما يظل الإيمان هو النور المتجدد والعصرية الحقيقية التي ترتقي بالوعي الإنساني من ظلمات المادة إلى سعة المعرفة.
فعندما يخرج اليوم مشكك ليقول إن الإنسان مجرد مادة تفنى ولا حياة بعد الموت، فإنه لا يأتي بجديد، بل يردد صدى عقول بائدة عاشت قبل آلاف السنين في غيابات الجهل. لقد وثّق القرآن الكريم هذه البدائية المادية في قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِن قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَٰذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ أو قوله تعالى: "وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون" . فهذا الفكر الذي يظنه أصحابه حديثاً، هو ذاته فكر دهري قديم، قائم على الظن والجهل المستند إلى الإنكار لمجرد العجز عن التصور.
ومن مظاهر التخلف المعرفي قديماً وحديثاً، حصر أدوات المعرفة في الحواس الخمس فقط، والمطالبة برؤية الخالق سبحانه وتعالى كشرط للإيمان. هذا التعنت البدائي الذي يرفض الاستدلال العقلي بالخلق على الخالق، عبّر عنه الخالق عندما أرخ لجهالات الأمم السابقة بقوله سبحانه": وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة"، وقوله في موضع آخر : "وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا".
إنها نفس العقيلة القاصرة التي لم تتغير منذ عهد موسى عليه السلام وحتى اليوم.
بينما يدعي الملحدون والمشككون أنهم أهل التحرر الفكري، نجد أن الكفر تاريخياً كان دائماً يمثل قمة الجمود ومحاربة العقل والوقوف ضد أي تنوير رباني، والتمسك بالقديم لمجرد أنه قديم. هذا الركود الفكري صوره القرآن الكريم في مواضع شتى، منها قوله تعالى : "وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أولوا كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون" .
فالإلحاد والشرك هما منبعا الجمود والتقليد الأعمى، بينما جاء الإيمان ليدعو إلى التدبر، والنظر، وإعمال العقل.
ويتفنن الغرور العلمي والتكنولوجي الحديث في ادعاء استغناء الإنسان عن الخالق، وهي ذات البدائية النفسية التي عاشتها الأمم العاتية قديماً عندما غرتها قوتها المادية فظنت أنها ملكت زمام الكون، حيث يقول الله تعالى عن قوم عاد: "فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة وكانوا بآياتنا يجحدون".
إن الإيمان هو اليقظة الفكرية المستمرة، وهو النور الذي يفرق بين العلم الحقيقي والجهل المتخفي وراء قشور المدنية. أما الإلحاد، فما هو إلا انتكاسة فكرية إلى عصور ما قبل الوعي، وإعادة إنتاج لحجج بالية تجاوزها الزمن ولم يتبقَ منها سوى العناد والجهل البدائي.
يتجلى الفارق الهائل بين قوة الإيمان وعظمة حجته، وبين تهافت الكفر وضآلة طرحه، في أن الإيمان يستند إلى الفطرة السوية، والمنطق العقلي المستقيم، والاتساق مع سنن الكون، بينما يترنح الكفر بين التناقض النفسي، والسطحية المادية، والعجز عن تقديم إجابات حقيقية لأسئلة الوجود الكبرى.
ولعل أبلغ مثال يوضح هذا التباين الشديد هو المقارنة بين تفسير الإيمان لظهور هذا الكون البديع وتفسير الكفر له، فالإيمان يقدم حجة عقلية يقينية تتسق مع البديهيات الفكرية، حيث يقرر أن هذا الإحكام والضبط الدقيق في المجرات والذرات وخلايا الكائنات الحية، لا يمكن إلا أن يكون صادرًا عن خالق عليم قدير حكيم، وهو ما يتقبله العقل السليم دون عناء لأن غياب الفاعل مع وجود الفعل المتقن مستحيل عقلاً. وفي المقابل، تتهافت حجة الكفر والإلحاد عندما تعزو هذا النظام المبهر إلى الصدفة أو العشوائية أو العدم، وهي فرضيات لا تصمد أمام أبسط القواعد العلمية أو العقلية، إذ كيف يمنح العدم وجوداً، وكيف تنشئ العشوائية نظاماً كونياً صارماً لا يختل عبر ملايين السنين؟ إن القول بأن الكون نشأ صدفة يشبه تماماً القول بأن انفجاراً في مطبعة قد أدى إلى ترتيب الحروف تلقائياً لينتج موسوعة فكرية ضخمة وبليغة دون تدخل عاقل.
ويتضح هذا التباين أيضاً في معالجة مسألة الوعي والأخلاق، فالإيمان يمنح الإنسان تفسيراً سامياً لروحه، ومشاعره، ومنظومته الأخلاقية، باعتبارها نفخة إلهية أودعها الخالق في هذا الجسد، مما يجعل للعدل، والرحمة، والأمانة قيمة حقيقية مطلقة تستحق التضحية. أما الكفر، فيقف عاجزاً بائساً أمام هذه الظواهر، ويختزل الوعي البشري في مجرد تفاعلات كيميائية ونبضات كهربائية داخل الدماغ، ويري الأخلاق مجرد حيل تطورية للبقاء، مما يحول الإنسان في الرؤية المادية إلى مجرد آلة بيولوجية صماء لا قيمة حقيقية لأفعالها، وهو طرح يصطدم مباشرة بوعي الإنسان الداخلي وبديهته النفسية التي ترفض هذا الابتذال للوجود الإنساني.
يتضح هذا التباين بجلاء في معالجة مسألة "الغاية والهدف من الوجود"، فالإيمان يمنح الإنسان إجابة واضحة وشافية عن الأسئلة الوجودية الكبرى: من أين جئت؟ ولماذا أنا هنا؟ وإلى أين المسير؟ ليجد المرء نفسه أمام رؤية متكاملة تضفي على حياته اليومية، وحتى على أبسط أعماله، قيمة عليا متصلة بالآخرة وبرضا الخالق ، مما يجعل للحياة طعماً ومعنى. في المقابل، يسقط الفكر الإلحادي في مستنقع "العبثية والعدمية"؛ فبما أن الكون لديهم نشأ بلا غاية، فإن وجود الإنسان يصبح مجرد محض مصادفة بيولوجية عابرة، وتنتهي حياته بلا أثر حقيقي في فضاء كوني بارد لا يكترث بوجوده أو غيابه، وهو تفسير مرير يورث النفس وحشة وضياعاً، ويجعل المرء يتساءل بمرارة عن جدوى الكفاح والأخلاق والمعاناة إذا كانت النهاية الحتمية هي الفناء واللاشيء.
إن المقارنة المنصفة بين الطرحين تكشف أن الإيمان يمثل بناءً شاهقاً متكاملاً، تلتقي فيه الأدلة العقلية مع السنن الكونية، ليخرج الإنسان بنتيجة واحدة واضحة تشبه ضياء الشمس في رابعة النهار. أما الكفر أو الإلحاد ، فمهما تزيّن بالمصطلحات البراقة وادعى العصرية، يظل عاجزاً عن ترميم شروخ فلسفته المتناقضة، ويبقى عاصفة من الشكوك والإنكار التي تثير الغبار في النفوس لكنها لا تبني وعياً، ولا تمنح طمأنينة، ولا تقدم تفسيراً واحداً يصمد أمام العقل السليم أو الفطرة النقية.
ويمتد هذا التباين المعرفي والنفسي ليشمل منظومة "الحرية والتحرر" التي يتبجح بها الفكر المادي كثيراً، فالإيمان يمنح الإنسان حرية حقيقية مطلقة عندما يحرره من عبودية المخلوقين، ومن سلطة المادة، ومن أسر الشهوات العابرة، ليربط قلبه وعقله بوجدان متصل بالخالق وحده، فيصبح المرء سيداً لخياراته، عزيزاً بنور الله، لا تملي عليه الطبيعة البيولوجية أو الضغوط المجتمعية المادية سلوكه. وفي المقابل، نجد أن الكفر، تحت شعار التحرر من قيود الدين، يوقع الإنسان في أبشع صور العبودية ، فبمجرد إنكار الإله، يتحول الإنسان إلى عبد لأهوائه، أو أسير للغرائز الإنسانية البدائية، أو ترس صغير مجرد من القيمة في آلة النظام الرأسمالي والمادي الذي يوجه الوعي البشري حيثما شاءت مصالح الاستهلاك، ليجد الملحد نفسه قد فر من عبادة الرحمن ليقع في عبادة المادة، والأشخاص، والأشياء من حوله.
ويتجلى هذا الإفلاس الفكري للكفر في لجوء أتباعه المستمر إلى "صناعة المعارك الوهميةلإيهام المجتمعات بأن هناك تعارضاً حتمياً بين العقل والعلم وبين الإيمان بالخالق، وهي مغالطة تاريخية وعقلية كبرى. فالإيمان هو الذي أطلق عقال العقل البشري ودعاه صراحة للبحث، والنظر، وتدبر القوانين الكونية في مئات الآيات القرآنية، لأن العلم الحقيقي في الرؤية الإيمانية هو اكتشاف لسنن الله في الخلق، مما يزيد المؤمن يقيناً وإيماناً، بينما يجد الملحد نفسه مجبراً على الوقوف عند عتبة التفسير الظاهري للأشياء، عاجزاً عن الغوص في أعماق الحكمة، ليتحول العلم لديه من وسيلة إدراك وتفكر إلى حجاب يحجب بصيرته عن رؤية الصانع خلف الصنعة المحكمة.
إن المحصلة النهائية لهذه المقارنة تضعنا أمام حقيقتين لا شك فيهما، إيمان يمثل واحة من الوضوح المعرفي والاتزان النفسي والسمو الأخلاقي، يربط الإنسان بكون حي ذي غاية ومعنى، وكفر يمثل نفقاً مظلماً من الحيرة والإنكار لمجرد العناد يختزل الوجود كله في ذرات صماء تدور بلا هدف، لتظل كلمة الإيمان هي العليا بقوة منطقها وانسجامها مع الفطرة، وتظل حجة الكفر داحضة باطلة، عاجزة عن الصمود أمام سيل الأسئلة الوجودية الجوهرية التي تفرض نفسها على عقل كل إنسان.
اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واهدِ اللهم عقول السالكين في حيرة المادة إلى سعة الإيمان واليقين، واشرح صدورهم لما فيه نجاتهم وسعادتهم في الدنيا والآخرة، واجعلنا جميعاً هداة مهتدين، لا ضالين ولا مضلين، والحمد لله رب العالمين.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض