هيلاسيلاسى يطلب جميلة توفيق للزواج.. مروية آل أندراوس الصعود والأفول (4)
لم يأفل نجم عائلة توفيق أندراوس، نائب الأقصر الأسبق، بوفاته في فبراير سنة 1935 وهو في ريعان شبابه، ظل صيت ذلك الفرع من عائلة «بشارة» ساريًا، فقد تولى يسي أندراوس شقيق «توفيق» عمادة العائلة، واعتنى بأنجال شقيقه وألحقهم بالتعليم وأدار لهم أملاكهم الواسعة سواء الزراعية أو العقارية، وأنجب توفيق 5 من الأبناء: جميل وتوفى صغيرًا وجميلة وسميحة ولودي وصوفي.
اقرأ الحلقات السابقة من مروية آل توفيق أندراوس الصعود والأفول:
لم تكن العلاقات المصرية ـ الأثيوبية في عهد الملك فؤاد ومن بعده الملك فاروق الأول، مستقرة كانت تتخللها فترات من التوتر بين الكنيسة المصرية والحبشية، ففي مطلع الأربعينيات طالب الأثيوبيون رسامة مطران حبشي وليس مصريًا على بلادهم، ومنح الكنيسة الحبشية حق سيامة خمسة أساقفة من الأحباش من دون الرجوع إلى البطريركية المرقصية الأرثوذكسية في القاهرة.
وتدخل محمود باشا فهمي النقراشي، رئيس الوزراء، ليقنع البابا يوساب بطريرك الكرازة المرقصية بتحقيق مطلب الكنيسة الحبشية، وعاد التوتر مرة أخرى في سنة 1956، ورفضت الكنيسة الحبشية المشاركة في حفل تنصيب البابا كيرلس السادس بطريركًا للكرازة المرقصية، رغم دعوة البابا الرسمية للإمبراطور هيلاسلاسى الأول لحضور الحفل.
في نهاية ثلاثينات القرن الماضي، اجتمع الدبلوماسى يسى باشا أندراوس، قنصل عدد من الدول الأوروبية في الأقصر، بشقيقه «بشارة باشا»، في قصر الأول المتاخم لمعبد الأقصر، للترتيب والتدبير لاستقبال ضيف مهم قادم من أفريقيا.
انتهى الشقيقان إلى إعداد حفل استقبال ضخم للضيف المهم يحضره الأعيان والوجهاء ورجال الدين، وتعقبه إقامة وليمة ترحيبًا بالضيف ومرافقيه، وكان هذا الضيف هو الإمبراطور هيلاسلاسى الأول أمبرطوار الحبشة الأخير.
المنصب الدبلوماسي الذي كان يشغله يسى باشا أندراوس كان ينأى به عن حالة التوتر الدائرة بين الكنيستين المصرية والحبشية، ويخول له ـ من جانب آخر، صلاحيات ونفوذًا واسعًا لم يكن ممنوحًا حتى لطبقة الأعيان والأرستقراط في مصر.
فقد كان قصره في الأقصر غير خاضع للسيادة المصرية، وهو ما استغله شقيقه «توفيق باشا» أحد عناصر الحركة الوطنية سنة 1919، عندما حاولت الحكومة المصرية إلغاء زيارة الزعيم سعد زغلول النيلية إلى الأقصر في سنة 1921 من القرن الماضي.
وقام «توفيق أندراوس» باستقبال سعد زغلول في الأقصر رغم اعتراض السلطات، حيث رست الباخرة نوبيا التي تقل سعد زغلول ورفاقه أمام قصر شقيقه «يسي» الملاصق لقصره بمدينة الأقصر، وألقى الزعيم سعد زغلول وهو يقف على الباخرة خطبة للجماهير التي حشدها توفيق لاستقبال الزعيم سنة 1921.
بعد وفاة توفيق أندراوس، ظل النفوذ السياسي والاقتصادي للعائلة حاضرًا بقوة، من خلال يسي أندراوس عميد العائلة الذي ارتبط بشبكة علاقات واسعة بفضل تمثيله الدبلوماسي الفخري لدول أوروبية عدة في الأقصر، فضلًا عن نفوذه الاقتصادي وثرائه الواسع.
ومن المرجح أن صيت العائلة الواسع في النخب المجتمعية كان سببًا في زيارة الإمبراطور هيلاسلاسي إلى قصر العائلة، ثم طلب الإمبراطور مصاهرة العائلة فيما بعد.
بالنسبة لهيلاسيلاسى فقد نُصب ملكًا على إثيوبيا سنة 1928 ثم إمبرطورًا سنة 1930، وكان يُعرف عنه أنه من سلالة سيدنا سيلمان وبلقيس، وكذلك انتمائه إلى الكنسية الأرثوذكسية الأثيوبية المحافظة التي يعتقد أتباعها أنها حافظت على نقاء المسيحية.
هيلاسلاسي يطلب جميلة توفيق للزواج:
وبعد ثورة 1952 نجح الرئيس الراحل جمال عبدالناصر في إنهاء حالة التوتر بين الكنيستين المصرية والأثيوبية، حيث حضر الإمبراطور حفل افتتاح الكاتدرائية المرقصية في العباسية، في عهد البابا كيرلس السادس، الذي زار إثيوبيا أكثر من مرة لتوثيق العلاقات بين البلدين، وربما كان ذلك التقارب سببًا في أن يطلب الإمبرطوار مصاهرة واحدة من أكبر العائلات القبطية في مصر ثراءً ونفوذًا.
كانت «جميلة» هي أكبر أبناء نائب الأقصر، وألحقها عمها بمدرسة القلب المقدس الفرنسية «السكركير» في القاهرة، ثم التحقت بالجامعة الأمريكية في القاهرة أيضًا، وكانت معروفة بجمالها ولباقتها وأنها أكثر أولاد «توفيق» الذين يشبهونه في شخصيته، ويبدو أن تلك الأسباب كانت كافية لأن يطلب الإمبراطور هيلاسلاسى يدها لتكون زوجة له.
تقول مصادر داخل عائلة «أندراوس» إن جميلة توفيق رفضت عرض الزواج من الإمبراطور هيلاسلاسى لأسباب عدة منها رغبتها في البقاء مع أشقائها وأسرتها في الأقصر، وخوفها من الإقامة في إثيوبيا التي كانت موحشة في ذلك الوقت.
ويذهب باحثون إلى أن فكرة العزوف عن الزواج كانت ملازمة لعدد كبير من فتيات العائلة الشهيرة، لأسباب غير معروفة، وأنها على الأرجح كانت بسبب الثراء الكبير الذي ورثته العائلة ويشير الباحثون إلى أن شقيقتيها «لودي»، و«صوفي» ظلتا من دون زواج أيضًا، كما لم يتزوج شقيقهن «جميل» الذي كان أول الراحلين في أولاد توفيق، ومات في ريعان شبابه.
عاشت «جميلة» مع شقيقتيها في قصرهما في الأقصر، في الظل بعيدًا عن الأضواء، أو المشاركة في الأنشطة الاجتماعية أو الخيرية، طبقًا لتقاليد العائلة التي لا تفضل الظهور في الحياة العامة، وهو ما يفسر رفضها المتكرر الظهور في مقابلات لوسائل الإعلام المختلفة في مصر، وكذلك ندرة الصور الشخصية لها.
واكتفت بإدارة أملاكها الواسعة التي ورثتها مع شقيقتيها عن والدهما القطب الوفدي توفيق أندراوس في ضواحي الأقصر، وتذكر دوائر قريبة من العائلة أنها كانت الأكثر تواصلًا بين شقيقتيها مع فروع العائلة في القاهرة.
ورحلت «جميلة» في سنة 2011 ، وأقيمت لها مراسم جنازة بسيطة، ودفُنت في مقابر العائلة القريبة من معبد الكرنك شرق مدينة الأقصر، لتسدل الستار على حياة تلك الآنسة التي رفضت الزواج من الإمبراطور هيلاسلاسى الأول.
وفي مطلع يناير 2013 لحقت بها شقيقتاها «لودي»، و«صوفي»، في جريمة قتل بشعة هزت الأقصر، واستعصي على الأجهزة الأمنية الوصول إلى مرتكبي الحادث حتى الآن، وقيُدت الجريمة ضد مجهول، وآلت ملكية القصر والأطيان الزراعية والعقارات إلى أبناء عمومتهم.
اقرأ أيضًا:
الحلقة القادمة: قتل لودي وصوفي توفيق أندراوس في جريمة غامضة