صحة الأمعاء قد تكون سببًا في فقدان الذاكرة مع التقدم في العمر (تفاصيل)
تشير الدراسات الحديثة إلى أن تراجع الذاكرة مع التقدم في العمر قد لا يكون ناجمًا عن تغيرات الدماغ وحدها، بل قد يعود جزئيًا إلى عمليات بيولوجية تحدث في الأمعاء.

لطالما كان معروفًا أن الميكروبيوم، وهو نظام بيئي من الكائنات الدقيقة المتعايشة مع الجسم، يؤثر على الوظائف الإدراكية ومع ذلك، بقيت الآليات الدقيقة لهذا التأثير غير مفهومة تمامًا.
بحسب دراسة نُشرت في مجلة "Nature"، أظهرت التجارب التي أُجريت على الفئران أن الجهاز الهضمي للمتقدمين في السن يُنتج جزيئات تعيق نشاط مسار عصبي حيوي يربط الأمعاء بالدماغ. هذه العملية تؤدي بدورها إلى تراجع معرفي مرتبط بالتقدم في العمر.
وكشفت الدراسة أن الجهاز الهضمي للشيخوخة يُفرز جزيئات تعمل على تثبيط نشاط العصب المبهم، الذي يُعد الوسيط الأساسي بين الأعضاء الداخلية والدماغ، والمسؤول عن استقبال الإشارات الداخلية والإدراك الحشوي. مع مرور الزمن، يتغير تكوين الميكروبيوم في الأمعاء، ما يعزز التأثيرات السلبية على الوظائف العقلية.
في سياق التجارب، أُجريت عمليات زرع ميكروبيوم لفئران مُسنة داخل فئران صغيرة السن، مما أدى إلى تدهور القدرات الإدراكية لدى الأخيرة لتشبه مستويات الإدراك عند الفئران المُسنة. ومن جهة أخرى، استُخدمت المضادات الحيوية لتحسين تلك المؤشرات الإدراكية وإعادتها إلى طبيعتها. أما الفئران الخالية من الميكروبيوم بشكل كامل، فقد أظهرت تباطؤًا واضحًا في تطور التدهور الإدراكي المرتبط بالشيخوخة.
أشار الباحثون إلى أن نوعًا معينًا من البكتيريا يُعرف باسم “Parabacteroides goldsteinii”قد يكون مسؤولًا جزئيًا عن هذه التأثيرات، مع عدم استبعاد دور ميكروبات أخرى. تنتج هذه البكتيريا أحماضًا دهنية متوسطة السلسلة تقوم بتحفيز خلايا مناعية في الأمعاء لإفراز جزيء التهابي يُسمى إنترلوكين-1 بيتا (IL-1β)، والذي يعطل الخلايا العصبية للعصب المبهم المتجهة إلى الحُصين، المركز المسؤول عن معالجة الذاكرة.
وأظهرت الدراسة أنه كان بالإمكان عكس تدهور الذاكرة لدى الفئران عبر استخدام طرق علاجية متعددة، تضمنت:
- مضادات حيوية لاستنزاف محتوى الميكروبيوم الضار.
- عاثيات بكتيرية (فيروسات تعمل على استهداف بكتيريا *P. goldsteinii* بشكل محدد).
- تحفيز العصب المبهم باستخدام هرمون كوليسيستوكينين (CCK) أو بعض العقاقير مثل "أوزيمبيك".
على الرغم من أن الدراسة أجريت على الفئران فقط، فإن نتائجها تشير إلى وجود تقاطع كبير في العمليات البيولوجية بين البشر والحيوانات فيما يتعلق بتأثير الأمعاء على الوظائف الدماغية. بالفعل، يُستخدم تحفيز العصب المبهم حاليًا في علاج حالات مثل الصرع والسكتات الدماغية، وقد لاحظ المرضى تحسنًا في قدراتهم المعرفية. يبقى إجراء المزيد من الدراسات ضروريًا لاستكشاف الروابط بين صحة الأمعاء وتطور الخرف والأمراض العصبية التنكسية عند البشر.