حوادث هزت رمضان
لص المحاريب.. قصة المجرم الذي تخصص في نهب صناديق النذور وقت التراويح
ألقت أجهزة الأمن بالقاهرة القبض على تشكيل عصابي تخصص في سرقة صناديق النذور ومقتنيات المساجد الأثرية مستغلين انشغال المصلين بصلاة التراويح والتهجد في ليالي رمضان.
وتأتي هذه الضبطية في مارس 2026 لتضع حدا لنشاط عصابي استغل ليالي الشهر الكريم، لتعيد للأذهان سلسلة من السرقات التاريخية، أبرزها واقعة 'لص المساجد' بالإسكندرية في 12 نوفمبر 2003، وسرقة صناديق مسجد الحصري بالجيزة في رمضان 2017.
حيث رصدت كاميرات المراقبة تحركات المتهم الرئيسي الذي كان يتخفى في زي المصلين ويدخل المساجد الكبرى بمنطقة الحسين والسيدة زينب في أوقات الذروة، واستخدم الجاني مفاتيح مصطنعة وأدوات حادة لكسر الأقفال الحديدية لصناديق التبرعات ونهب ما بها من مبالغ مالية كبيرة.
وانتهز اللصوص لحظة خشوع المصلين وبدء الركعات الطويلة ليقوموا بتنفيذ عملياتهم الجنائية والخروج من الأبواب الجانبية بسرعة فائقة، وسقط أفراد العصابة في قبضة العدالة بعد كمين محكم نصبته مباحث الأموال العامة داخل أحد المساجد الشهيرة.
ولا تعد هذه الواقعة فريدة من نوعها، إذ يعيد سيناريو "لص المساجد" إلى الأذهان وقائع تاريخية مسجلة، أبرزها ما شهدته مدينة الإسكندرية في 12 نوفمبر 2003، حين ألقي القبض على عاطل استولى على صناديق نذور 14 مسجدا باتباع ذات الأسلوب الإجرامي.
وكان الجاني آنذاك يتبع استراتيجية تعتمد على "التخفي بالعبادة"، حيث يصلي الفجر ثم يختبئ داخل المسجد حتى انصراف الجميع ليخلو له الجو، وهي ذات الحيلة التي طورها التشكيل العصابي الحالي باستخدام أدوات حديثة ومفاتيح مصطنعة.
انتقلت مأمورية أمنية مكبرة لمخبأ المتهمين وعثرت على كميات ضخمة من العملات الورقية والمعدنية التي تم الاستيلاء عليها من بيوت الله خلال الأيام الماضية.
وقامت القوات بالتحفظ على قطع أثرية ونحاسية نادرة كانت العصابة تخطط لبيعها لتجار الخردة والآثار بأسعار زهيدة، وأشارت التحريات الميدانية إلى أن زعيم التشكيل العصابي مسجل خطر سرقات عامة وسبق اتهامه في قضايا مماثلة، وسادت حالة من الارتياح بين أئمة المساجد والعاملين بوزارة الأوقاف بعد إنهاء نشاط هذا اللص الذي انتهك قدسية المحاريب في الشهر الكريم.
كواليس نهب صناديق النذور في ليالي العشر الأواخر
كشفت تحقيقات النيابة العامة عن اعترافات تفصيلية للمتهمين حول كيفية اختيار المساجد التي تفتقر للرقابة الأمنية المشددة أو التي لا توجد بها كاميرات مراقبة كافية.
واعتمدت خطة اللصوص على توزيع الأدوار فيما بينهم حيث يقوم أحدهم بمراقبة المصلين والآخر بتنفيذ عملية الكسر والسرقة في وقت قياسي، وأشارت الأدلة الجنائية إلى أن المتهمين ارتكبوا أكثر من 12 واقعة سرقة في مساجد مختلفة بالقاهرة والجيزة خلال شهر رمضان الحالي، وتسببت الواقعة في تشديد إجراءات تأمين الصناديق والمقتنيات الأثرية داخل كافة المساجد الكبرى،
تحركت وزارة الأوقاف لإصدار تعليمات فورية بفتح صناديق التبرعات يوميا تحت إشراف لجان رسمية لمنع تراكم الأموال التي تغري اللصوص، وأسفرت عمليات تفتيش منازل المتهمين عن ضبط أدوات الجريمة وخرائط للمساجد المستهدفة في ليالي العيد.
وأصدر القضاء قرارا بحبس أفراد التشكيل العصابي احتياطيا مع مراعاة تشديد العقوبة لارتكابهم الجريمة داخل دور العبادة وفي وقت مبارك، وقيدت القضية كأبشع واقعة "سرقة بالإكراه" استهدفت أموال اليتامى والفقراء المودعة بصناديق النذور،
ورصدت التقارير الأمنية على مدار السنوات الماضية تنوعا في أنماط السرقات داخل المساجد، فلم تقتصر على الصناديق فحسب، بل امتدت لتشمل متعلقات المصلين الشخصية أثناء سجودهم، وحتى المرافق العامة كالمراوح وصنابير المياه، كما حدث في وقائع سابقة بمسجد "الموقف الجديد" بالمحلة الكبرى ومساجد بالدقي.
وتظل قضية مسجد "السيد البدوي" بطنطا شاهدة على ضخامة المبالغ التي تستهدفها هذه العصابات، مما استوجب تدخل النيابة الإدارية في عدة مناسبات لضبط منظومة الرقابة على هذه الأموال.
نهاية لص المساجد بقلب القاهرة القديمة
واجه المتهمون سخطا شعبيا كبيرا بعد انتشار صورهم وفيديوهات سرقتهم التي أظهرت تجردهم من كل قيم الدين والأخلاق، وتسببت الجريمة في زيادة وعي المصلين بضرورة الانتباه للمقتنيات العامة والإبلاغ عن أي تحركات مشبوهة داخل ساحات المساجد.
وأصدر الدكتور المسؤول عن المساجد الأثرية تقريرا بسلامة المحاريب والمنابر التي حاول اللصوص انتزاع بعض قطعها الخشبية المرصعة، وأكد شهود العيان أن المتهم كان يتظاهر بالبكاء والخشوع خلف الإمام للتمويه على مأموريته الإجرامية.
بذلت أجهزة البحث جهودا مضنية لتتبع خط سير الأموال المنهوبة التي تم إنفاق جزء كبير منها على شراء المواد المخدرة والسهرات الحمراء، وأكدت التحريات أن العصابة كانت تخطط لسرقة "نجفة أثرية" نادرة من أحد المساجد التاريخية في ليلة القدر.
وقررت النيابة العامة إحالة المتهمين لمحاكمة جنائية عاجلة للقصاص منهم وردع كل من يفكر في المساس ببيوت الله، وسجل المحضر الرسمي كافة اعترافات اللصوص التي طابقت المعاينات الفنية، ونال التقرير اهتماما واسعا من الجمهور المتابع لتريند الحوادث الرمضانية.
سجل حافل.. بيوت الله في مرمى اللصوص
لا تعد واقعة "مساجد الحسين والسيدة زينب" الحالية الأولى من نوعها؛ فالتاريخ الأمني المصري يحفل بوقائع مشابهة اتسمت بذات الأسلوب الإجرامي.
ففي رمضان 2017، شهد مسجد "الحصري" بالسادس من أكتوبر واقعة اقتحام مماثلة حيث تسلل 3 لصوص قبل انتهاء صلاة التراويح بدقائق واختبأوا بالداخل لسرقة 7 صناديق نذور حوت قرابة 100 ألف جنيه.
كما رصدت السجلات واقعة ديسمبر 2019 بمسجد السيدة زينب نفسه، والتي أدت لإقالة قيادات بالأوقاف بعد كشف تلاعب في فتح الصناديق، وصولا لواقعة يونيو 2022 بمسجد "الموقف الجديد" بالمحلة الكبرى التي وثقتها كاميرات المراقبة وأدت لصدور قرار وزاري بمنع الصناديق الخشبية نهائيا.
مواجهة حاسمة: من الصناديق الخشبية إلى الحسابات البنكية
وأمام تكرار هذه الحوادث التي تنتهك حرمة دور العبادة، لم تكتف وزارة الأوقاف بالإجراءات التأمينية التقليدية، بل اتخذت قرارا تاريخيا في عام 2021 بإلغاء صناديق التبرعات والنذور نهائيا من داخل المساجد.
وجاء هذا التحول الرقمي ليفرض واقعا جديدا يعتمد على الحسابات البنكية الرسمية، بهدف تجفيف منابع إغراء اللصوص وضمان وصول أموال المتبرعين لمستحقيها من الفقراء وتوجيهها لإعمار بيوت الله بعيدا عن أيدي العابثين.