رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

أخطر ما قد يواجه أي مسؤول ليس ارتفاع الأصوات المنتقدة لقراراته، بل اختفاء هذه الأصوات من حوله؛ فيظن أن كل شيء يسير على ما يرام، بينما تتراكم الأخطاء بعيدًا عن عينيه. فالصمت ليس دليلًا على الرضا، والتصفيق ليس شهادة على النجاح، وغياب النقد لا يعني غياب القصور.

المسؤول الذي يخشى النقد لا يحمي منصبه، بل يحرم نفسه من فرصة تصحيح أخطائه. فالمشكلة ليست في أن يختلف الآخرون معه، وإنما في أن يعتبر الاختلاف خصومة، والمصارحة إساءة، والملاحظة الصادقة تهديدًا لمكانته.

المسؤولية العامة ليست سلطة تُمارَس من موقع المنصب، بل أمانة تُقاس بقدرة صاحبها على الاستماع والمراجعة والمحاسبة. فلا أحد فوق الخطأ، ولا يوجد قرار بمنأى عن التقييم، ولا تعني مخالفة المسؤول معارضة الدولة أو الانتقاص من مؤسساتها.

بل إن المؤسسات القوية لا تخشى النقد، والمسؤول الواثق من أدائه لا ينزعج من السؤال، وإنما يقلقه أن تُحجب عنه الحقيقة، أو أن تتحول دائرة المحيطين به إلى مجموعة لا تجيد سوى الموافقة والتبرير.

وهنا تكمن الخطورة؛ فعندما يخشى الموظف مصارحة رئيسه، ويتردد المواطن في عرض شكواه، ويصبح الرأي المخالف مصدرًا للقلق بدلًا من أن يكون فرصة للإصلاح، تتحول بيئة العمل إلى دائرة مغلقة من المجاملات، وتصبح القرارات أسيرة صورة مصطنعة عن الواقع.

فليس كل من يصفق للمسؤول حريصًا على نجاحه، وليس كل من ينتقده يسعى إلى إفشاله. فقد يكون أكثر الناس إخلاصًا للمؤسسة هو من يمتلك الشجاعة ليقول إن قرارًا يحتاج إلى مراجعة، أو إن خدمة لا تحقق أهدافها، أو إن هناك معاناة لدى المواطنين لم تصل إلى متخذ القرار بحقيقتها.

والخلط بين الولاء للأشخاص والولاء للمؤسسات من أخطر الأخطاء الإدارية؛ فالولاء الحقيقي لا يكون بتبرير القصور، وإنما بكشفه ومعالجته، ولا يكون بالدفاع عن كل قرار، وإنما بالحرص على أن تكون القرارات في خدمة الصالح العام.

ولا بد هنا من التمييز بين النقد الموضوعي والتشهير؛ فالأول حق أصيل وأداة ضرورية للتطوير، أما الثاني فيخضع لأحكام القانون وضماناته. فحماية كرامة الأشخاص لا تعني تحصين قراراتهم من النقد، كما أن حرية التعبير لا تبرر الاعتداء على حقوق الآخرين.

إن المواطن الذي يكشف خللًا في خدمة عامة، أو يشكو تقصيرًا، أو يطرح رؤية مختلفة، ليس خصمًا للمؤسسة، بل قد يكون شريكًا في تحسين أدائها. والاستماع إليه ليس منحة يقدمها المسؤول، وإنما جزء من واجباته تجاه المجتمع الذي يتولى خدمته.

كما أن الاعتراف بالخطأ لا ينتقص من هيبة المسؤول، بل قد يكون أعظم دليل على نضجه وثقته بنفسه. فالمواطن لا ينتظر مسؤولًا معصومًا من الخطأ، وإنما ينتظر مسؤولًا لا يتهرب من الحقيقة، ولا يختبئ خلف المبررات، ولا يتردد في اتخاذ القرار اللازم لتصحيح المسار.

إن هيبة الدولة لا تُبنى بإسكات الأصوات، ولا تُصان بمنع المراجعة، وإنما بقوة مؤسساتها وعدالة قراراتها وكفاءة أدائها. والاستقرار الحقيقي ليس أن تختفي الشكاوى من المشهد، بل أن تُعالج أسبابها، وليس أن يتوقف الناس عن الاعتراض، بل أن يجدوا استجابة جادة لمطالبهم المشروعة.

ومن هنا، فإن المسؤول الناجح هو من يفتح أبواب مكتبه وعقله أمام الرأي المخالف، ويقيس نجاحه بما تحقق على أرض الواقع، لا بما يسمعه من عبارات الإشادة. فالمناصب لا تمنح أصحابها حق احتكار الصواب، والسلطة لا تعفي أحدًا من واجب المراجعة وتحمل المسؤولية.

فالمنصب مؤقت، لكن أثر القرارات في حياة الناس قد يمتد لسنوات. وقد ينسى الناس كثيرًا من التصريحات، لكنهم لن ينسوا قرارًا أنصفهم، أو مشكلة رُفعت عنهم، أو مسؤولًا استمع إليهم حين تجاهلهم الآخرون.

وفي النهاية، تبقى الحقيقة التي يجب أن يدركها كل من يتولى مسؤولية عامة: إن أخطر ما يمكن أن يحدث للمسؤول ليس أن يسمع نقدًا قاسيًا، بل أن يعيش في دائرة لا يسمع فيها إلا ما يحب، حتى يفاجئه الواقع بما لم يستعد له.

فالمسؤول القوي ليس من يفرض الصمت، بل من يحتمل المصارحة. وليس من يدّعي أنه لا يخطئ، بل من يمتلك شجاعة الاعتراف والتصحيح.

فالمسؤولية ليست أن تكون دائمًا على صواب، وإنما أن تمتلك الشجاعة للعودة إلى الصواب