في ظل الهجمات المتكررة التي تستهدف أمن المملكة العربية السعودية وآخرها استهداف مطار الملك خالد الدولي، وما يصاحبها من تهديد مباشر لأمن البحر الأحمر وباب المندب، عادت إلى الواجهة فكرة القوة العربية المشتركة التي طُرحت لأول مرة عام 2015، لكن هذه المرة بمنظور مختلف تماما لا يقوم على الحرب بل على الردع وخفض التصعيد.
الدعوة التي وجهها رئيس الجمهورية لعقد جلسة طارئة للبرلمان لمناقشة تفويض دفاعي مشروط لصالح السعودية حال طلبها، والتي تأجلت لإتاحة الفرصة لمزيد من النقاشات داخل اللجان المختصة،ثم الموافقة البرلمانية على إرسال قوات مصرية دفاعية للملكه العربية السعودية فتحت الباب أمام تساؤل أوسع داخل الأوساط البرلمانية والإعلامية: هل يظل التحرك في إطار ثنائي مصري سعودي أم يتسع ليكون نواة لتحرك عربي جماعي لتأمين الممرات الملاحية؟
من الناحية الدستورية، أي تحرك خارج الحدود وفقا للمادة 152 يحتاج إلى رأي مجلس الدفاع الوطني وموافقة ثلثي أعضاء مجلس النواب، وهذا الشرط الدستوري هو ما يجعل فكرة القوة المشتركة أكثر منطقية من التحرك المنفرد، لأن التفويض المشروط الذي ناقشه البرلمان ليس تفويضا مفتوحا للحرب بل هو تفويض دفاعي محدد بطلب رسمي من المملكة ومحدد بمهمة حماية الحدود والأجواء، وهو نفس المنطق الذي قامت عليه فكرة القوة العربية المشتركة في الأصل وهي قوة دفاعية عربية بقيادة مشتركة ومهمتها حماية الأمن القومي العربي وليس الاعتداء.
التباين في الآراء داخل البرلمان كان حول صياغة التفويض وهو ما دفع لتأجيل الجلسة، فالبعض يرى أن التحرك الثنائي السريع هو الأنسب لإعتبارات الوقت والتاريخ المشترك بين القاهرة والرياض، بينما يرى فريق آخر أن إحياء فكرة القوة المشتركة تحت مظلة جامعة الدول العربية واتفاقية الدفاع العربي المشترك يمنح أي تحرك غطاء قانونيا وسياسيا أوسع ويمنع تفسيره كمحور ثنائي، كما أنه يوزع الأعباء ولا يحمل دولة واحدة المسؤولية كاملة في وقت تتعامل فيه مصر مع ملفات معقدة على حدودها الجنوبية والغربية.
الهدف الحقيقي من طرح القوة المشتركة اليوم ليس الحرب ، بل هو خفض التصعيد، فالمنطق السياسي الذي تتبناه القاهرة والرياض يقوم على أن وجود قوة ردع عربية جاهزة ومدربة ومتمركزة لحماية البحر الأحمر وقناة السويس والمطارات المدنية هو في حد ذاته ما سيمنع الحوثيين وغيرهم من الاستمرار في الهجمات، فالردع هو وسيلة لمنع الحرب وليس لإشعالها، وهو نفس المبدأ الذي أكدت عليه التصريحات الرسمية بأن التحرك دفاعي فقط وليس هجوميا وأن هدفه استقرار المملكة وخفض التصعيد.
كما أن هذا الطرح يقطع الطريق على محاولات بعض القوى الدولية لفرض ترتيبات أمنية أجنبية في البحر الأحمر تحت ذريعة حماية الملاحة، فالأمن في البحر الأحمر هو شأن عربي خالص يخص مصر والسعودية والسودان والأردن واليمن، ووجود قوة عربية مشتركة لتأمينه هو البديل الطبيعي لأي وجود أجنبي، وهو ما يحفظ السيادة العربية ويحمي في نفس الوقت الاقتصاد المصري بشكل مباشر لأن أي تهديد للملاحة في باب المندب ينعكس فورا على إيرادات قناة السويس.
ولذلك فإن تأجيل الجلسة البرلمانية لم يكن تعطيلا للقرار بل كان بمثابة فرصة لإنضاج الفكرة والإنتقال من مجرد تفويض ثنائي إلى صياغة رؤية عربية أوسع للردع الدفاعي، رؤية تقوم على أن أمن السعودية هو أمن لمصر وأن أمن البحر الأحمر هو أمن لكل العرب، وأن الحل ليس في الدخول في حرب مفتوحة بل في امتلاك أوراق ردع قوية تجبر الأطراف الأخرى على الجلوس على طاولة المفاوضات ووقف استهداف المدنيين والمطارات المدنية.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض