رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

مراجعات

عندما نتحدث عن «ضمير الغائب»، في اللسان العربي، سنجد أنه «الضمير» الذي يُستخدم للدلالة على شخص «غائب» عن المتكلم والمخاطب، سواء أكان منفصلًا أو متصلًا.. أو حتى مستترًا، أما إن تجاوزنا قواعد «النحو والصَّرف» إلى واقعنا الاجتماعي، سنكتشف أن «ضميرًا» آخر أصبح مفقودًا وغائبًا عن حياتنا!
ذلك «الضمير» لا يشير إلى «الغائب» فقط، بل لأن صاحبه تخلَّى بإرادته عن «ضميره»، أو ربما عطَّله عمدًا، أو أقنعَ نفسه بأنه لم يعد ضروريًا في «زمن المصالح»، وبالتالي أصبحنا نُتقن إعراب «ضمير الغائب» في اللغة، بينما نعجز عن استحضار هذا «الضمير» في أفعالنا وسلوكياتنا.
نتصور أنه ليس أخطر على الإنسان أو المجتمع من غياب أو فقدان أو موت «الضمائر»، رغم أن أصحابها على قيد الحياة، لتتحول علاقاتنا الإنسانية إلى «صفقات مصالح»، ثم تتجسَّد المأساة الحقيقية في أن يتعايش الناس مع الظلم، طالما لم يطرق أبوابهم، أو اعتياد الخطأ حتى يفقد قُبحه!
لذلك، حين يصل «غياب الضمير» إلى مواقع السُّلطة أو مراكز اتخاذ القرار أو بعض التُّجار وأصحاب النفوذ، ويتحول إلى سلوك اعتيادي، فإن الخطر يتجاوز الأفراد إلى مصير الأوطان ومستقبلها.
الآن - بكل أسف - لم يعد «غياب الضمير» مجرد استثناء، بل أصبح ظاهرة تسللت إلى تفاصيل علاقاتنا اليومية.. من داخل الأسرة، إلى محيط الأصدقاء والأقارب والجيران، ومن مواقع العمل إلى الأسواق.. وكافة مجالات الحياة.
لعل أخطر مظاهر «غياب الضمير» أنه لم يعد يراه البعض سلوكًا معيبًا، فلا يُسأل الإنسان عما إذا كان تصرفه صحيحًا أو أخلاقيًّا، والنتيجة أنه حين يغيب «الضمير» تنهار الثقة في المجتمع، وتصبح العلاقات الإنسانية حسابات قابلة للمكسب والخسارة!
بالطبع، لا يعني ذلك أن المجتمع كله فقد ضميره، أو أن الخير اختفى وتراجع، فما زالت هناك نماذج شريفة تحفظ العهد، وتؤدي واجبها دون انتظار مقابل، لكن وجود هؤلاء لا ينبغي أن يكون مبررًا للتغاضي عن مظاهر الخلل، وإنما حافزًا لاستعادة القِيَم التي تجعل الأمانة أصلًا لا استثناءً، واحترام حقوق الآخرين معيارًا للسلوك، لا سذاجة يُلام عليها صاحبها.
إن يقظة الضمائر تبدأ بمراجعة أنفسنا، من خلال إعادة الاعتبار للتربية والقدوة والمحاسبة، فلا نكافئ المحتال لبراعته، أو المستغِل لذكائه، لمجرد أنه أفلت من العقاب، فالمجتمع لا يصلح بالقوانين وحدها - وإن كانت ضرورة لا غنى عنها - بل يحتاج إلى وازع داخلي يجعل الإنسان يرفض الخطأ حين يستطيع ارتكابه دون أن يراه أحد.
أخيرًا.. آن الأوان لإعادة النظر في «ضمير الغائب» - ليس باعتباره درسًا في النحو والصرف أو كقاعدة لغوية - بل كمرآةٍ لواقع نحتاج إلى إصلاحه، لأن المشكلة تكمن في ضمير إنساني غاب عن صاحبه، فصار حاضرًا بجسده، غائبًا عن مسؤوليته.. يتحدث عن الأخلاق حين تخدمه، ويتخلى عنها حين تتعارض مع مصلحته.
فصل الخطاب:
«حين يغيب الضمير، لا يكون الإنسان بحاجة إلى تبرير أخطائه، بل يصبح الخطأ في نظره حقًا، والظلم وجهة نظر».

[email protected]