خارج السطر
بدم بارد، وقفوا لدقائق يطلقون الرصاص على أناس لا يعرفونهم، ليس لديهم سبب للقتل سوى كونهم مسيحيين.
فى قرية حمود بمحافظة الكرك، وفى كنيسة للروم الأرثوزكس باغت القتلة المتعصبون رهبانا وروادا للكنيسة كانوا فى جنازة، وصوبوا بنادقهم وقنصوهم. لم يمت البعض على الفور وسقطوا أرضا جراء الإصابات، لكن المزيد من الرصاص باغتهم تأكيدا للمقتلة.
يندهش كل ذى قلب وضمير لمَن يقتل آخرا بلا جريرة. كيف احتمل فؤاده إزهاق الروح بكل هذه البساطة؟ ولّم؟ مّن حرضه وأقنعه وشجعه أن يفعل أحط فعل بشرى وهو القتل؟ قال شهود العيان إن القتلة كانوا يكبرون وهم يطلقون الرصاص كأنهم يؤدون صلاة لله. جنون وتعصب وانحطاط أن يقتنع إنسان أن قتل صاحب عقيدة أخرى جهاد وفعل خير جزاؤه الجنة.
أعود إلى أكثر من ثلاثين عاما، عندما كُنت غضا غريرا ساذجا وسطحيا. نبهنى زميل دراسة يُحب القراءة إلى القلم الذى يفك ألغاز الوجود، الرجل الساحر بتعبيره، الشهيد الذى دفع حياته ثمنا لحروفه: سيد قطب. قرأت له عدة كتب منها: هذا الدين، المستقبل لهذا الدين، العدالة الاجتماعية فى الإسلام، فى التاريخ فكرة ومنهاجا، كُتب وشخصيات، الإسلام والسلام العالمي، التصوير الفنى فى القرآن، معالم فى الطريق، فى ظلال القرآن.
بشّر الرجل بعالم آخر، ومجتمع أعدل، وكون مُختلف بشرط وحيد أن يخضع بأكمله للإسلام الذى هو ليس عقيدة وعبادة ومعاملات فقط، وإنما كل شىء، بمعنى كل شىء: تشريع ونظم اقتصاد وسياسة وقواعد مرور وأدب وفن وثقافة وعلوم وحساب. فى تصور سيد قطب لا وجود للإنسان فى الكون سوى أنه خاضع وخانع ومُسير ومدفوع ومجبور. وهذا الدفع مقصور على تصور واحد للبشر، يقدمه الإسلام وما عداه باطل الأباطيل.
فى كتاب الظلال فى تفسيره لفاتحة الكتاب يقول سيد قطب:» إن القوى الإنسانية نوعان، قوة مهتدية، تؤمن بالله وتتبع منهجه وهذه يجب أن نؤازرها ونتعاون معها على الخير والحق والصلاح.. وقوة ضالة لا تتصل بالله ولا تتبع منهجه. وهذه يجب ان نحاربها ونكافحها ونغير عليها».
كُنت فى العشرين من عمرى عندما قرأت هذه العبارة وتساءلت: لماذا يجب أن تُغير قوة على الأخرى؟ ما الداعي للعدوان على بشر آخرين لا يعادوننا؟ ما معنى أن يقتل أنسان آخر لأنه لا يؤمن بما فى رأسه؟
قُلت لصديقى الذى أغوانى بقراءة «قطب»: «إن الله كان يُمكن أن يخلق البشر جميعا على دين واحد، وأنه لا ذنب لشخص أن يولد يهوديا أو بوذيا أو هندوسيا.
رسخت أفكار سيد قطب فى معاداة الإسلام لكل أصحاب العقائد الأخرى الأساس النظرى لجماعات القتل باسم الاسلام. جميعهم استقوا فكرة استحلال دماء وأموال غير المسلمين من طرحه بوجوب الإغارة على مَن لا يتبعون منهج الله.
آمن مئات الآلاف من الشباب بما قال، وتقبلوا تفسيره المشوه للجهاد كونه عدوانا دائما على دماء الآخرين، ونتاج ذلك دُمرت بلدان وأزهقت أرواح وسفحت دماء وروعت نفوس.
أما أنا، فقد تحصنت بعقل آخر مُتسامح رقيق سامِ وناثر للمحبة اسمه مُحيى الدين بن عربي. أيقنت أن لكل إنسان أن يعبد ربه كما شاء، وأن الله وحده هو المُطلع والمُحاسب، وأنه ربما يُدخل بنى البشر جميعا فى رحماته. وحفظت أبيات شعره الرائعة التى يقول فيها « قد كنت قبل اليوم أُنكر صاحبي/ إذا لم يكن دينه إلى دينى داني/ لقد صار قلبى قابلا كل صورة/ فمرعى لغزلانٍ ودير لرهبانِ/ وبيت لأوثانٍ وكعبة طائفٍ/ وألواح تراة ومصحف قرآنِ/ أدين بدين الحب أنى توجهت ركائبه، فالحب دينى وإيماني».
والله أعلم
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض