رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

نحمل شاشاتٍ تخبرنا بموعد المطر، وتنقل إلينا أخبار المدن البعيدة ووجوه أهلها الباكية. لكنّنا قد نمرّ بباب جارٍ وحيد دون أن نطرقه. نعرف الكثير؛ فماذا نفعل بما نعرف؟

فى مقال فى جريدة "هارفارد جازيت" يتأمّل الطبيب وعالم الأنثروبولوجيا آرثر كلاينمان هذا السؤال فى حديثه عن الحكمة والرعاية. فالمعلومة تساعدنا على إنجاز العمل، والحكمة تعيننا على اختيار ما يستحقّ وقتنا، وعلى الوقوف بجوار مَن يتألّم.

حين أصاب ألزهايمر زوجته جوان، لم تكفِ كلاينمان شهاداته الطبّية. كان عليه أن يصبر على أسئلتها المتكرّرة، ويساعدها فيما كانت تفعله وحدها. وحين ماتت، فهم أنّ الرعاية تستمرّ بعد الموت؛ نستعيد أصوات أحبّتنا، ونروى حكاياتهم، ونتعلّم العيش مع الكرسيّ الخالي.

ولكنْ مَن يذكر إنسانًا وحيدًا لم يبقَ له أحد؟ عام 2002، قرّر بارت إف إم دروخ، شاعر مدينة خرونينغن بشمال هولندا، ألّا يُدفن أحدٌ فى مدينته دون وداع. فبعض الناس يموتون بلا أهلٍ أو أصدقاء يقفون عند قبورهم. واقترح أن يحضر شاعر.

وفى العام نفسه، نقل الشاعر والفنان التشكيلى فرانك ستاريك الفكرة إلى أمستردام، وأنشأ لها مؤسّسة. سُمّيت المبادرة «الجنازة الوحيدة»، وحمل شعراؤها اسمًا فيه دعابة سوداء: «فريق الموت». وقبل الجنازة، يجمع الشاعر وموظّفو البلدية ما يجدونه عن الراحل: أشياء تركها فى غرفته، وأوراقًا طبّية، وما يتذكّره صاحب المسكن عنه. ومن هذه التفاصيل يكتب قصيدةً له وعنه.

يقف الشاعر بجوار التابوت، عند القبر أو فى دار حرق الموتى، ويقرأ قصيدته. وقد لا يحضر سواه وبضعة موظّفين. وانتقلت المبادرة إلى مدنٍ أخرى فى هولندا وبلجيكا، ليجد مَن عاشوا وحدهم، وحتى مجهولو الهوية، مَن يودّعهم. كلماتٌ قليلة تقول: عشتَ بيننا، ولن ندفنك صامتين.

وفى مصر القديمة، دوّن الناس أسماء موتاهم، ووضعوا فى قبورهم طعامًا ومتاعًا للحياة الأخرى. واليوم نحتفظ بنظّارة الأب ومنديل الأمّ، ونُخرج صورهما لنحكى للصغار عنهما. تتغيّر عادات الوداع، وتبقى رغبتنا فى حفظ اسم الراحل وملامحه.

وفى بيوتنا، نرسل طبقًا إلى الجار، ونسأل عمّن غاب. وفى مصر نقول «الجار قبل الدار». تحمل امرأة طعامًا لمريضة، ويصطحب شابّ شيخًا إلى العيادة، وينتظر معه. لكنْ كم بابًا يبقى مغلقًا، ولا نسأل عمّن وراءه؟

والرعاية تحتاج إلى أيدٍ تتقاسمها. فلا نمدح النساء لصبرهنّ، ثم نترك لهنّ وحدهنّ إطعام المرضى وغسل ملابسهم والسهر بجوار أسرّتهم. وقد أمضى الطبيب بول فارمر، صديق كلاينمان وتلميذه، حياته يعالج الفقراء. ومن دروس الرعاية أن نسأل المريض عمّا يحتاجه، ونستمع إليه، ونساعده دون أن نجرح كرامته. 

قد نكتب عن الرحمة ونفصّل أوجه الشفقة والمواجدة، ولكن ما معنى هذا وما الفائدة إن لم نمدّ بعد ذلك يدًا إلى إنسان ونناوله الماء، ونجلس إلى جواره. فإذا ارتعشت يده، أمسكناها حتى يطمئنّ؛ وإذا رحل وحيدًا، ودّعناه باسمه، وحملنا حكايةً من حياته إلى مَن لم يعرفوه.