أميرة رشاد رئيس مجلس إدارة شركة سفير لتداول الأوراق المالية:
التصنيف الائتمانى.. مفتاح ثقة لاستقطاب الأموال الأجنبية
25 مليون جنيه مستهدف رأس مال الشركة
قادر على أن يكتب بجهده وصموده حكايةً استثنائية، لا تشبه إلا أصحابها، وتليق بالناجحين الذين صنعوا من التحديات مجدًا، ومن العثرات سُلّمًا إلى القمة، رحلةٌ نسجت العثرات تفاصيلها، وتكاثفت فى دروبها المطبات، وتربّصت بها النفوس التى لم يرق لها أن ترى النجاح يتوهج فى سماء الآخرين. لكن النفوس الكبيرة لا تنحنى أمام العواصف، ولا تسمح للعثرات بأن تطفئ بريق أحلامها، وكذلك محدثتى إيمان بأن الإرادة الصلبة أقوى من كل عائق، وأن مَن آمن بقدراته، ومضى بثبات، كان نجاحه محققًا لا محالة.
شخصيات تعرف كيف تحافظ على تماسكها حين تتعثر الخطوات، وكيف تتمسك بثباتها حين تهتز الأرض تحت أقدامها، وكيف تواصل المسير مهما اشتدت العواصف.. وعلى هذا الأساس كانت مسيرتها منذ الصبا.
أميرة رشاد رئيس مجلس إدارة شركة سفير لتداول الأوراق المالية.. تتسلح بالثقة فى النفس، تؤمن بأن المستحيل مجرد محطة عابرة فى طريق الوصول، وأن الإرادة الصلبة أقوى من كل عائق.
على بعد أمتار من ميدان سفير، تحتفظ ضاحية مصر الجديدة بصفحاتٍ مضيئة من تاريخها، تبدأ الحكاية فى حىٍّ لا يزال متمسكًا بهويته، محتفظًا بملامحه التى صاغت خصوصيته عبر عقود طويلة. شوارع واسعة، ومساحات خضراء، ومبانٍ تحكى بعمارتها فصولًا من تاريخ المكان، الذى استمد اسمه من الفيلات والمساكن التى اتخذها العديد من السفراء والدبلوماسيين الأجانب مقرًا لإقامتهم فى منتصف القرن العشرين. هنا، لا تزال التفاصيل القديمة تقاوم تبدلات الزمن، فيما تتجاور الأصالة مع ملامح العمارة الحديثة، فى مشهد يمنح المكان طابعه الخاص.
وفى مدخل أحد الشوارع الأكثر حركة، بما يضمه من مراكز تجارية، يقف مبنى شامخ يحمل بين جدرانه حكاية مختلفة. أسفل مستوى الشارع، تبدأ أولى خطوات الرحلة؛ درجات من السلالم الرخامية تقود إلى المدخل الرئيسى، وكأنها تعبر بالزائر من صخب الخارج إلى عالم آخر، تتشكل ملامحه بعيدًا عن ضجيج الشوارع، وتُكتب تفاصيله بإيقاع مختلف.
قاعة واسعة تستقبل عددًا من العملاء المترددين على المكان، وعلى يمين المدخل يتشكل جناح له طبيعته الخاصة، يضم غرفة تبدو بمثابة القلب النابض للشركة؛ من داخلها تصدر القرارات، وتُرسم السياسات الاستثمارية، ديكور كلاسيكى يضفى على المكان وقارًا خاصًا، ومكتبة تحتضن بين رفوفها عناوين شتى فى عالم الأعمال وسوق المال، بينما تتصدر صورة مؤسس الشركة أحد أركان الغرفة، حاضرةً فى المشهد كأنها جزء أصيل من ذاكرة المكان وهويته.
وفى منتصف الغرفة، يتوارى المكتب خلف تفاصيل يوم عمل لا تهدأ؛ جهاز كمبيوتر، وملفات متراصة، وقصاصات ورقية تحمل بين سطورها ملامح الحركة اليومية، وتكشف عن خريطة عمل تتشكل لحظة بلحظة. لكن وسط هذا الزحام، تستقر على حافة المكتب أجندة تبدو مختلفة عن كل ما يحيط بها؛ صفحاتها لا تسجل المواعيد والمهام فحسب، بل تختزن حكاية رحلة ازدحمت محطاتها بالمطبات والعثرات، وتقاطعت طرقها مع تحديات لم يكن اجتيازها أمرًا هينًا، على غلاف تلك الأجندة، تختصر عبارة واحدة فلسفة الرحلة بأكملها، وتختزل فى كلمات قليلة حكاية إرادة لا تعرف الاستسلام: «لا مكان للانحناء أمام الشدائد».
ثقةٌ فى التحليل، وحكمةٌ فى قراءة المشهد الاقتصادى، وحماس لا تغيب عنه نبرة التفاؤل، ورؤيةٌ تستند إلى التخطيط لا إلى المصادفة؛ هكذا تبدو ملامح حديثها عن الاقتصاد الوطنى، وما اجتازه خلال السنوات القليلة الماضية من مطباتٍ وتحديات فرضتها المتغيرات الخارجية، وألقت بظلالها على مسارات النمو والاستقرار.
تقول إن «حدة هذه التحديات تصاعدت مع مطلع عام 2026، فى ظل تداعيات الحرب الإيرانية الأمريكية، وما أفرزته من ضغوط سلبية على اقتصادات العالم، كان الاقتصاد الوطنى من بين المتأثرين بها. فقد انعكست الارتفاعات فى أسعار البترول على معدلات التضخم، لتزداد الضغوط فى ظل الاعتماد على الاستيراد وارتفاع فاتورته، بما حمله ذلك من أعباء إضافية على المشهد الاقتصادى».
تستكمل حديثها بنبرة يغلب عليها التفاؤل، مؤكدةً أن التحديات، مهما اشتدت، لا تعنى غياب الحلول، قائلةً: «رغم كل هذه التداعيات السلبية، نجحت الحكومة فى التعامل مع الأزمة والعمل على الحد من حدتها، من خلال توفير البدائل وإبرام تعاقدات مع الدول المحيطة لتأمين احتياجات البترول».
< إذا كانت الحكومة قد نجحت فى التعامل مع المتغيرات الخارجية، فكيف ترين قدرتها على مواجهة الأزمات الداخلية؟
< تركيز بدا أكثر على ملامحها قبل أن تجيبنى، وكأنها تستحضر خريطة الأزمات أن «الديون، ومعدلات التضخم، وأسعار الصرف، مثلث الأزمة فى الاقتصاد الوطنى».. ترى أنه رغم عمليات بيع الأصول التى تلجأ إليها الحكومة، فإنها تظل حلولًا مؤقتة ومسكنات لا تعالج جذور المشكلة؛ فالعلاج الحقيقى، من وجهة نظرها، يبدأ من تعزيز التصنيع، ودفع عجلة الإنتاج، بما يضمن تلبية احتياجات السوق المحلية، ويحد من فاتورة الاستيراد المتزايدة.
تستكمل رؤيتها قائلة إن «معالجة هذه الاختلالات لا تتوقف آثارها عند حدود تخفيف الضغوط الاقتصادية، بل تمتد إلى توفير العملة الصعبة، بما يمنح الحكومة مساحة أكبر لزيادة الإنفاق على قطاعى التعليم والصحة، ويفتح الطريق أمام تحقيق التنمية وتعزيز النمو الاقتصادى».
رؤية يغلفها التفاؤل، وإيمانٌ بأن الطريق، مهما ازدحمت محطاته بالعثرات، لا يخلو من الأمل، وأن الأزمات، مهما اشتدت، لا تغلق أبواب المستقبل أمام من يمتلك الرؤية والقدرة على قراءة المشهد. بهذا الإيمان تتحدث عن مستقبل الاقتصاد الوطنى، مستندةً إلى ما تراه من أسس صلبة وإجراءات إصلاحية أسهمت فى تحسين أوضاعه، وعززتها التصنيفات الائتمانية التى تؤدى دورًا مهمًا فى الحد من المخاطر، ودعم ثقة المستثمرين، وجذب المزيد من التدفقات الأجنبية.
«من الثقة ما يدفع إلى مواصلة المسيرة نحو الأفضل»؛ هكذا تتجلى رؤيتها عند الحديث عن دور السياسة النقدية وقدرتها على تحقيق الاستقرار. وترى أن السياسة النقدية نجحت فى الحفاظ على تماسك الاقتصاد خلال مراحل متباينة، سواء فى أوقات الانكماش أو مع التوجه نحو التيسير النقدى، وهو ما عكسته التخفيضات المتتالية لأسعار الفائدة قبل اندلاع التوترات الجيوسياسية.
حصيلة طويلة من التجارب صقلت خبراتها، ومنحتها القدرة على قراءة حركة الأموال الساخنة فهى، من وجهة نظرها، أحد مصادر العملة الأجنبية التى يمكن الاستفادة منها، شريطة التفكير فى آليات تتيح تحويل جزء من هذه التدفقات إلى استثمارات أجنبية مباشرة، بما يدعم استدامة الموارد الدولارية على المدى الطويل.
بشجاعةٍ تستمدها من رؤيتها للمستقبل، تنتقل إلى ملف السياسة المالية، متناولةً الإجراءات الإصلاحية التى شهدها، وما تضمنته من مرونة وتيسيرات فى المنظومة الضريبية، أسهمت فى زيادة أعداد الممولين، ومن ثم تعزيز الإيرادات. كما تشير إلى الجهود المبذولة لتوسيع نطاق محفزات الإنتاج، بما يدعم زيادة الإنتاج والتوسع فى المشروعات، ويفتح آفاقًا أرحب أمام النشاط الاقتصادى.
فبالنسبة إليها، لا يتوقف الإصلاح عند حدود معالجة الاختلالات القائمة، بل يمتد إلى بناء مقومات أكثر قوة واستدامة، تجعل الاقتصاد الوطنى أكثر قدرة على مواجهة التحديات، وأكثر استعدادًا لاقتناص فرص النمو.
< ماذا عن حجم الاستثمارات الأجنبية فى السوق المحلية، وكيفية تعزيز قدرتها على جذب المزيد منها؟
< علامات تفكير بدت على ملامحها، قبل أن تبدأ حديثها قائلة إن «الأزمات التى واجهها الاقتصاد الوطنى، بدءًا من الثورات، مرورًا باختلالات أسعار الصرف، وصولًا إلى تحديات البنية التحتية، ألقت بظلالها السلبية على حجم الاستثمارات وتدفقات الأموال».
لكن المشهد، بحسب رؤيتها، لم يبقَ على حاله؛ فمع تيسير الإجراءات، وتحسين بيئة الأعمال، وتطوير البنية التحتية، والتوسع فى شبكات الطرق، بدأت ملامح التغيير تتشكل، ونجح السوق المحلية فى استعادة جزء من تلك الاستثمارات، مستفيدًا من التحسن الذى شهدته مقومات جذب المستثمرين.
تضيف أن «التوسع فى المشروعات الاستثمارية القومية أسهم فى تعزيز جاذبية السوق المحلية، واستقطاب تدفقات من رؤوس الأموال العربية والأجنبية، لتكتسب السوق مزيدًا من الزخم، خاصة فى ظل التوترات الجيوسياسية التى شهدتها المنطقة والدول المجاورة، وما أتاحته من فرص أمام السوق المحلية لجذب تدفقات استثمارية جديدة».
صراحتها ووضوحها يتجليان بصورة أكثر تأثيرًا حين تتحدث عن المستثمر المحلى، وما يواجهه من أزمات وتحديات تستدعى دعمًا حكوميًا حقيقيًا، خاصة فى ظل ارتفاع تكلفة التمويل، والحاجة إلى تقديم المزيد من التسهيلات التى تتيح له التوسع فى أنشطته، بما ينعكس إيجابًا على معدلات النمو الاقتصادى.
يتكشف ذلك فى حديثها عن وثيقة ملكية الدولة، ودورها فى توسيع قاعدة مشاركة القطاع الخاص وتعزيز مساهمته فى الاقتصاد، إلى جانب الإجراءات المرتبطة بوحدة الشركات المملوكة للدولة، بما يعكس توجهًا نحو إفساح المجال أمام القطاع الخاص للقيام بدور أكبر فى النشاط الاقتصادى.
< كيف ترين انطلاقة برنامج الطروحات الحكومية؟
< على ملامحها ترتسم علامات الارتياح، قبل أن تجيبنى بأن «الطروحات، سواء الخاصة أو الحكومية، ستعمل على إعادة رسم خريطة القطاعات داخل البورصة، وتعزيز عمق السوق، والحد من عمليات التلاعب، رغم تداعيات التوترات الجيوسياسية على السوق».
من واقع التجارب، تنطلق رؤيتها نحو آفاق جديدة، لتتحدث بالمنطق ذاته عن المنتجات المالية المستحدثة، سواء البيع على المكشوف «الشورت سيلينج»، أو المشتقات، أو صانع السوق، أو موفر السيولة؛ وهى أدوات ترى أنها قد تسهم فى استقطاب المستثمرين الأجانب، بما يصب فى مصلحة السوق.
الاستمرارية فى النجاح لا تعنى الاكتفاء بالحفاظ على ما تحقق، بل تحويل كل إنجاز إلى نقطة انطلاق نحو نجاح أكبر. بهذه الروح، تمضى الشركة فى تبنى سياسة تقوم على الطموح والتركيز، بعدما نجحت خلال الفترة الماضية فى الحفاظ على استقرار كيانها، من خلال توفيق أوضاعها والحصول على تراخيص مزاولة العديد من الأنشطة، بالتوازى مع وضع استراتيجية تستهدف عددًا من المحاور، يتصدرها زيادة رأس مال الشركة إلى 25 مليون جنيه، وإطلاق خاصية «موبايل أبلكيشن»، إلى جانب توسيع قاعدة العملاء.
لم تكن المحطات التى مرت بها مجرد أيام عابرة، بل كانت دروسًا صقلت شخصيتها، ومواقف كشفت لها عن حجم ما تمتلكه من قدرات، فازدادت عزيمتها رسوخًا وإصرارها قوة. وهى الروح ذاتها التى تحرص على غرسها فى أبنائها، من خلال تشجيعهم على الاستثمار فى أنفسهم، ومواصلة التعلم، ومد يد الدعم للآخرين، لكن، وسط كل هذه التفاصيل، يبقى الهدف الأكبر حاضرًا فى ذهنها، والشغل الشاغل الذى يدفعها إلى مواصلة الطريق: أن تصل بالشركة إلى مصاف الكبار.. فهل تنجح فى تحويل حلمها إلى واقع؟
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض