عندما أعلن الرئيس عبد الفتاح السيسي استعداد مصر للمشاركة في الدفاع عن السعودية، لم يكن الإعلان تفصيلًا عابرًا في العلاقات بين البلدين. فالدعم المصري للمملكة مستمر منذ بداية الصراع، بينما يتصل التصويت البرلماني المنتظر بإتاحة المشاركة العسكرية الكاملة، بما فيها تحرك القوات البرية ومعداتها. وهكذا وضعت القاهرة نفسها بوضوح أمام معادلة أمنية تتجاوز حدود المملكة.
وهنا يبرز السؤال: لماذا الآن؟ ولماذا يصبح الدفاع عن السعودية سؤالًا يتصل بأمن مصر ومكانتها، وبمستقبل البحر الأحمر وباب المندب؟
قبل الإجابة، علينا أن ننظر إلى المشهد من أعلى، فالصراع أوسع من مواجهة إقليمية أو محلية. إنه جزء من تنافس القوى الكبرى على الهيمنة الاقتصادية، وما يرتبط بها من مصادر الطاقة والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد. فمنذ المواجهة في أوكرانيا، ومحاولة الغرب تحجيم موارد روسيا، امتد الصراع إلى الشرق الأوسط. ثم جاء التحول في ملف النفط الفنزويلي، بما تملكه فنزويلا من احتياطيات ضخمة، ليبرز من جديد موقع الطاقة في حسابات القوة، وصولًا إلى إيران والخليج، حيث تتركز احتياطيات هائلة وممرات حيوية لنقل النفط.
ومن هنا تتضح أهمية سلاسل الإمداد التي تربط العالم، وأهمية السيطرة على الممرات التي تعبرها. فبعد إغلاق مضيق هرمز، يتجه النظر إلى باب المندب، الذي يمثل بدوره عقدة أساسية في حركة الطاقة والتجارة العالمية.
والحرب الحوثية السعودية ليست مواجهة بين قوتين فقط؛ فهناك دعم من قوى كبرى للحوثيين، في مقابل تحالفات قوية تقف مع السعودية. وبذلك لا يمكن اختزال الصراع في خلاف محلي أو مواجهة بين طائفتين؛ فهو يتصل بتنافس أوسع على النفوذ والسيطرة.
وفي النهاية، تتقاطع مصالح هذه القوى عند هدفين استراتيجيين: الطاقة وطرق عبورها. فالبترول ليس مجرد مورد اقتصادي، بل عنصر من عناصر القوة، وباب المندب ليس مجرد مضيق بحري، بل ممر يؤثر في انسياب الطاقة والتجارة بين الخليج والبحر الأحمر والأسواق العالمية. ومن يملك القدرة على تأمين هذه الطرق أو تهديدها، يمتلك ورقة ضغط تتجاوز حدود المنطقة.
ومن هنا اقترب الخطر من مصر وقناة السويس، فلم يعد ممكنًا أن نترك الحبل على الغارب ونكتفي بمقاعد المشاهدين. وهنا يأتي السؤال الثاني: لماذا الآن؟
مصر بالفعل بدأت منذ بداية الصراع في اتخاذ محور مهم، يعتمد على قوتها في المنطقة والعالم، وعلاقاتها بمختلف الأطراف، وقدراتها الاستخباراتية: محور العمل الدبلوماسي والسياسي والوساطة. فقد كان لها دور في وقف المواجهات أو تقليلها وتأجيلها، ولا تزال تعمل على رأب الصدع وتقريب وجهات النظر.
وقد يسأل صديق: إذا كانت مصر قد اختارت الوساطة، فلماذا تتدخل عسكريًا؟ لأن الأمر لم يعد يحتمل الانتظار؛ فمصالح مصر تتأثر مباشرة بما يجري، فضلًا عن دورها ومكانتها في المنطقة. ولا يمكن أن تترك موقعها لغيرها، سواء للكيان الإسرائيلي أو لقوى أوروبية، كي تتولى مساعدة السعودية أو المشاركة في أمن المنطقة، بينما تقف مصر على الهامش.
إن تحرك مصر لا يستهدف حماية شقيقتها السعودية فحسب، بل حماية مصالحها ومكانتها أيضًا، والتأكيد أنها لن تترك باب المندب ساحة تعبث فيها القوى المتنافسة.
فمصر لا تتحرك بحثًا عن حرب، لكنها لا تقبل أن تُترك مصالحها رهينة لصراع الآخرين. وحين يصبح أمن السعودية والبحر الأحمر وباب المندب جزءًا من أمنها القومي، فإن القاهرة تؤكد أن لها في هذه المعادلة كلمة ودورًا لا يمكن تجاوزه.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض