كبسولة فلسفية
قد تملك ما تمنيته يومًا، وتصل إلى المكان الذي سعيت طويلًا لبلوغه، وتضحك مع أشخاص تحبهم، ثم تعود إلى نفسك في نهاية اليوم لتكتشف أن شيئًا ما لا يزال ناقصًا. لا تعرف اسمه، ولا تعرف كيف تشرحه، لكنك تشعر به بوضوح. لماذا نشعر بالفراغ رغم أن حياتنا تبدو مكتملة؟ ولماذا لا تمنحنا الأشياء التي نملكها السعادة التي انتظرناها منها؟
يا صديقي القارئ، ربما لا يكون هذا الفراغ دليلًا على أنك تملك القليل، بل لأنك أمضيت وقتًا طويلًا في السعي وراء أشياء لم تسأل نفسك إن كانت تعني لك شيئًا حقًا. ركضت وراء النجاح، وانتظرت فرحة الوصول، وحين وصلت، اكتشفت أن السعادة لم تبقَ طويلًا. كأنك كنت تبحث عن إجابة، لكنك لم تنتبه إلى أنك تسأل السؤال الخطأ.
نحن بارعون في ترتيب حياتنا من الخارج؛ نضع الخطط، ونلاحق الأهداف، ونملأ ساعات اليوم بالعمل واللقاءات والأحاديث. لكن ماذا نفعل حين ينتهي كل ذلك، ونبقى وحدنا أمام أنفسنا؟ هنا يظهر ما حاولنا تأجيله طويلًا؛ أسئلة لم نجد لها وقتًا، وأحلام تركناها خلفنا، وربما حياة نعيشها لأننا اعتدناها، لا لأننا اخترناها حقًا.
والغريب أننا كثيرًا ما نحارب هذا الشعور بالطريقة التي تزيده عمقًا. نفتح الهاتف كلما ساد الصمت، ونبحث عن شيء جديد يشغلنا، وننتقل من رغبة إلى أخرى، كأننا نستطيع أن نُسكت ما بداخلنا بكثرة ما يحدث حولنا. لكن الضوضاء تنتهي، وتعود الأسئلة إلى أماكنها، كأنها لم تغادر قط.
الحقيقة أن الإنجاز يمنحنا فرحة، والعلاقات تمنحنا دفئًا، والمال يخفف عنا أعباء كثيرة، لكن لا شيء من ذلك يستطيع وحده أن يجيب عن سؤال: ما الذي يجعل لحياتي معنى؟ فليس كل ما نرغب فيه قادرًا على إسعادنا، وليس كل ما نحققه يجعلنا أقرب إلى أنفسنا.
وهنا، يا عزيزي القارئ، لا تحتاج بالضرورة إلى أن تقلب حياتك رأسًا على عقب، ولا أن تبحث عن إجابة كبرى تغير كل شيء في لحظة. ربما تحتاج فقط إلى أن تتوقف قليلًا، وأن تسأل نفسك بصدق: هل أعيش بالطريقة التي أريدها، أم بالطريقة التي اعتدتُها؟ ما الذي أفعله لأنني أؤمن به، وما الذي أفعله خوفًا من خيبة الآخرين؟ وأي جزء مني أهملته، بينما كنت أحاول أن أكون كل شيء للجميع؟
قد لا تأتيك الإجابات سريعًا، وهذا لا يعني أنك فشلت في البحث. أحيانًا تكون الخطوة الأولى هي الاعتراف بأنك لا تعرف، وأنك بحاجة إلى إعادة النظر، لا إلى مزيد من الركض.
لكن تذكر أن الشعور بالفراغ ليس دائمًا رسالة فلسفية أو دليلًا على أنك ابتعدت عن ذاتك؛ فقد يرتبط أيضًا بالإرهاق أو الحزن أو ظروف نفسية تحتاج إلى اهتمام ومساندة. فلا تقسُ على نفسك، ولا تعتبر ما تشعر به عيبًا ينبغي إخفاؤه.
في النهاية، يا صديقي، ربما لا تكون مشكلتنا أننا لا نملك ما يكفي، بل أننا ننشغل طويلًا بما نريد امتلاكه، حتى ننسى أن نسأل أنفسنا كيف نريد أن نعيش. فليس المهم أن تمتلئ حياتك بالأشياء، بل ألا تبقى غريبًا عن نفسك وسط كل ما تملك.
كاتب في السرديات الثقافية وقضايا الشرق الأوسط
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض