لفت نظر
ليست كل عبارة يقولها الرئيس مجرد كلمات عابرة فى سياق حديث عابر، فبعض التصريحات تفتح بابا واسعا للنقاش حول فلسفة إدارة الدولة، وطبيعة المرحلة التى تمر بها، وحدود المسئولية بين القيادة السياسية والحكومة. ومن هذا المنطلق، تستحق عبارة الرئيس عبدالفتاح السيسى: «لو كان تغيير الحكومة هو الحل كنت غيرت» قراءة تتجاوز ظاهر الكلمات إلى ما تطرحه من أسئلة مهمة حول إدارة الأزمات، وجدوى التغيير، وحقيقة ما ينتظره المواطن المصرى من حكومته.
هل يدرك الرئيس صعوبة المهمة إلى الحد الذى يجعله يرى أن تغيير الأشخاص وحده لن يغير الواقع؟ وهل تحمل العبارة تقديرا لأداء الحكومة الحالية، أم أنها تعكس قناعة بأن الأزمة أكبر من قدرة حكومة بعينها على حلها؟
فى تقديرى، تكمن أهمية التصريح فى أنه يعيد النقاش إلى جوهر القضية. فالحكومات لا تعمل فى فراغ، ولا تواجه مشكلات منفصلة عن السياق الاقتصادى والاجتماعى والمالى الذى تتحرك داخله الدولة. كما أن تغيير رئيس الوزراء أو الوزراء، مهما كانت أسبابه ودوافعه، لا يضمن وحده تغيير النتائج، ما لم يصاحبه تغيير فى السياسات والأولويات وآليات التنفيذ.
لكن هذه القراءة، على وجاهتها، لا ينبغى أن تقودنا إلى نتيجة مفادها أن الحكومة لم تقصر، أو أن أداءها لا يستوجب المراجعة. فهناك فارق كبير بين الاعتراف بصعوبة المهمة، والإعفاء من مسئولية إنجازها، وبين تقدير الظروف التى تتحرك فيها الحكومة، وتقييم ما اتخذته من قرارات وما حققته من نتائج.
لا أحد يستطيع إنكار حجم التحديات التى تواجه الدولة المصرية، سواء ما يتعلق بضغوط الاقتصاد، واحتياجات المواطنين، وتوفير فرص العمل، وتحسين مستوى الخدمات أو ضرورة زيادة الإنتاج والاستثمار وتخفيف الأعباء عن الأسر. وهى ملفات متشابكة لا يمكن حلها بقرار واحد، ولا بمجرد تغيير أسماء المسئولين.
غير أن المواطن لا يقيس أداء الحكومة بصعوبة الظروف وحدها، بل بما يلمسه من تحسن فى حياته اليومية. فهو يريد أن يعرف ماذا تغير فى مستوى الأسعار وكيف تحسنت الخدمات، وما الذى تحقق فى ملف التشغيل، وإلى أى مدى أصبحت السياسات الاقتصادية قادرة على حماية أصحاب الدخول المحدودة والمتوسطة.
ومن هنا، فإن الحديث عن صعوبة المهمة يجب أن يكون مدخلا لفهم طبيعة التحديات، لا نهاية للنقاش حول المسئولية. فكلما ازدادت الظروف تعقيدا، ازدادت الحاجة إلى كفاءة الإدارة، ودقة ترتيب الأولويات، والقدرة على اتخاذ قرارات تحقق نتائج ملموسة.
والسؤال الذى يفرض نفسه هنا: هل قدمت الحكومة كل ما تقدر على تقديمه فى حدود الإمكانات المتاحة؟ وهل نجحت فى تحويل التوجيهات الرئاسية إلى سياسات فعالة يشعر المواطن بأثرها؟ أم أن بعض المشكلات يرتبط بضعف التنفيذ، أو بطء الاستجابة، أو غياب التنسيق بين الوزارات؟
هذه أسئلة مشروعة، والإجابة عنها لا تكون بالدفاع المطلق عن الحكومة أو الهجوم عليها، وإنما بالمعلومات والنتائج والمحاسبة.
هل التغيير فى الأشخاص أم فى طريقة العمل؟.. تاريخ الإدارة السياسية والاقتصادية يعلمنا أن تغيير الحكومات قد يكون ضرورة فى بعض المراحل، لكنه ليس علاجا سحريا للأزمات. فقد تتغير الوجوه وتظل السياسات كما هى، وقد يتولى مسئول جديد المنصب نفسه دون أن يمتلك الأدوات أو الصلاحيات أو الرؤية التى تمكنه من إحداث فارق حقيقى.
وفى المقابل، قد يصبح التغيير مطلوبا عندما تتراكم الأخطاء، أو يتعثر التنفيذ، أو تفشل جهة مسئولة فى تحقيق الأهداف المعلنة، أو تفقد القدرة على الاستجابة لمتطلبات المرحلة.
لذلك، فإن جوهر المسألة ليس فى التغيير باعتباره مطلبا سياسيا فى حد ذاته، وإنما فى مدى قدرة منظومة الحكم على تصحيح مسارها، ومراجعة قراراتها، واختيار المسئول المناسب لكل موقع، وربط المسئولية بالنتائج.
وإذا كان الرئيس يرى أن تغيير الحكومة وحده لن يحل المشكلات، فإن التحدى الأكبر يصبح فى تحديد ما الذى ينبغى تغييره تحديدا: هل نحتاج إلى سياسات اقتصادية مختلفة؟ أم إلى إدارة أكثر كفاءة للموارد؟ أم إلى رقابة أشد على التنفيذ؟ أم إلى إعادة ترتيب الأولويات بما يجعل احتياجات المواطن فى مقدمة الحسابات؟
قد تكون الإجابة مزيجا من كل ذلك، لكن الوصول إليها يحتاج إلى تقييم موضوعى لا يستثنى أحدا من المساءلة.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض