على فكرة
نجحت المظاهرات التى تجتاح فرنسا وعددا من الدول الأوروبية بينها بلجيكا وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا وبريطانيا وألبانيا والبرتغال، ويقودها طلاب المدارس وشباب الجامعات، من جيل الألفية الجديدة، الذى بات يعرف بجيل زد، فى أن تضم إلى حركتها النقابات وفئات اجتماعية وسياسية وحزبية من كل الأطياف. القاسم المشترك بين كل تلك المظاهرات أنها بدأت بالاحتجاج على تدهور المنظومة التعليمية لاسيما فى الأحياء الفقيرة، التى تؤوى فى الغالب المهاجرين، الذين تكشف الإجراءات القانونية المطبقة معهم، على الجانب العنصرى المتجذر فى السياسات الأوروبية.
وما أن بدأت مظاهرات التلاميذ والطلاب حتى حظى تحركهم، بتضامن معظم فئات المجتمع، من مختلف المدن والأحياء. وكشفت عن خلل فادح، ليس فقط فى المناهج، بل أيضا فى تصدع البنية التحتية لمبانى الفصول الدراسية ومحتوياتها، وتكدس الطلاب، وطول فترات الدراسة، ونقص أعداد المعلمين، وغياب الشفافية عن القبول بالجامعات ورفض التجنيد الإجبارى.
وكان من الطبيعى أن تتصاعد المظاهرات لتشمل الاحتجاج على انتشار البطالة وتدنى مستوى المعيشة والخدمات الاجتماعية فى مجالات الصحة والأجور، وعدم حماية المستأجرين فى سوق العقارات، الذى يتسيده المحتكرون العقاريون. فضلا عن غلاء الأسعار وانخفاض الأجور.
زاد من تدهور تلك الأوضاع ارتفاع أسعار الطاقة الناجم عن الحرب الأمريكية على إيران، وخسارة فرنسا والأوروبيين مصادر الطاقة الروسية الرخيصة، لإصرارهم على رفع وتيرة العداء ضد روسيا، وتحذيرهم غير المفهوم مما يسمونه خطرا روسيا متوهما، ومواصلة مساندة أوكرانيا ماليا وعسكريا لتمويل الحرب. وقد أسفر ذلك عن إغلاق الممرات المائية الدولية، وتعطل دورها فى نقل إمدادات الطاقة والسلع الأساسية، وتوقف مسار تدفق حركة التجارة العالمية.
فى معظم الدول الأوروبية، اعترض المتظاهرون، على الأموال التى تنفق فى الحرب فى أوكرانيا ويتحمل الشعب تكلفتها، ونددوا بمبالغات سياسات الاتحاد الأوروبى من الترويع المصنوع من الخطر الروسى، ومن اتباعه سياسات تخدم الاحتكارات العالمية لا الشعوب، وتهيمن على القرار السياسى والاقتصادى فى بلدانهم، وتحسم الانتخابات التشريعية والرئاسية لصالح الشركات والاحتكارات الاستثمارية، والأغنياء.
وكمعظم الحكومات الفاشلة، حملت الولايات المتحدة والحكومات الأوروبية، أسباب تلك الأزمة إلى المهاجرين، الذين تقوم معظم أنشطتهم الاقتصادية على سواعدهم وعملهم فى وظائف شاقة، بينها ما هو خطر. لكن قادة فرنسا كالوا التهم لليسار واليسار المتطرف فى التحريض على التظاهر وعلى العنف، لأسباب انتخابية، لاسيما وبينهم من هو مرشح للانتخابات الرئاسية التى ينتظر أن تجرى فى أبريل القادم. وهو أمر زاد من غضب المتظاهرين لأنه، ينطوى على إنكار مسببات الأزمة، ويسوق أسبابا وهمية لتبريرها.
تحول ربيع أوروبا إلى كارثة خلفتها أزمات سياسات البيئة الغربية المنفذة، التى أسفرت عن تغير فى المناخ، أفضى إلى قتل مواطنين بسبب موجات حر غير مسبوقة. وها هو خريفها مثقل بغضب هادر للشعوب، لفقدانها الثقة فى نخبها الحاكمة، بما يهدد بعنف أهلى بسبب سياسات الإفقار والتفاوت الطبقى المذهل بين الفقراء والأثرياء وانعدام العدالة والمساواة، والتوزيع غير العادل للواجبات، والفشل فى سياسات إدماج المهاجرين، وعدم إدراك أن الحاجة والعنف أمران متلازمان.
وهنا علينا بالاعتراف أن بعض هؤلاء المهاجرين من عدد من الدول الإسلامية، لم يبذلوا جهدا كافيا للاندماج فى تلك المجتمعات، وتقبل قوانينها وتقاليدها وقيمها الغربية، ليس هذا فحسب، بل إن بعضهم نقل أمراض مجتمعاته الأصلية إليها، بتشجيع من تيارات الإسلام السياسى، مما شارك فى تكوين صورة ذهنية سلبية عنهم، وساهم فى صعود ظاهرة الإسلامفوبيا التى باتت تجتاح الغرب.
فى تلك الأجواء ينتعش التطرف من كل اتجاه. وها هو اليمين المتطرف العنصرى يصعد إلى الحكم بمساندة من إدارة ترامب فى عدد من الدول الأوروبية، وأمريكا الجنوبية، ويصبح مشروعا، التوقع أن الديمقراطية التمثيلية الغربية وقد فشلت فى إسعاد شعوبها، فإنها فى الطريق إلى الأفول.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض