رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

مع انتصاف هذا الأسبوع تدخل إسرائيل واحدة من أهم وأعقد المحطات الانتخابية فى تاريخها السياسي؛ غير أن القراءة السطحية التى تكتفى بمتابعة السجالات الحزبية اليومية والتراشق بين القوائم المتنافسة تظل قراءة قاصرة، ما لم تُطرح ضمن سياق أكبر تُحكمه أدوات "الواقعية السياسية". ولتفكيك المشهد الانتخابى بعيداً عن الانطباعية، تتطلب القراءة الواقعية الابتعاد عن الخطيئة التحليلية لدى بعض الدوائر العربية والإقليمية التى تُعلق آمالاً مفرطة على احتمالية رحيل بنيامين نتنياهو، هذا التفاؤل العربى برحيل نتنياهو وحدوث تغيير مؤثر هو تفاؤل فى غير محله تماماً، لأن أى بديل محتمل فى تل أبيب -سواء أكان من الجنرالات أو غيرهم- لن يتحول بين عشية وضحاها إلى حمامة سلام أو شريك حقيقى لتسوية عادلة؛ بل إن التاريخ والواقع يؤكدان أن بعض أشرس الحروب والسياسات الاستيطانية قِيدت ونُفذت عبر حكومات يسارية أو عسكرية "معتدلة" فى ظاهرها، سعت لتقديم أوراق اعتمادها للمؤسسة الأمنية وللشارع اليمينى الصاعد.

ومن ثم، فإن بعض الرهان العربى على أن رحيل نتنياهو سيُحدث تحولاً جوهرياً فى قضايا الصراع العربى الإسرائيلى الجوهرية، هو طرح يقترب من الرومانسية السياسية، ويتجاهل أن جذور الصراع تتجاوز شخص رئيس الحكومة، وترتبط بثوابت المشروع الصهيونى، وبنية النظام السياسى الإسرائيلى، وتوازنات القوى واتجاهات الرأى العام، ومن ثم فإن تغيير القيادة لا يعنى بالضرورة تغيير السياسات أو التخلى عن الأهداف الاستراتيجية الإسرائيلية. حيث تؤكد الواقعية السياسية أنه لن يكون هناك خلاف جوهرى حول السياسات الرئيسية فى إسرائيل حتى فى حال تصدّر أيزنكوت ورموز ما يُسمى "التيار البراغماتى العسكري" للمشهد؛ فالخلاف هناك لا يدور حول الأهداف الاستراتيجية للدولة، بل حول الأسلوب والتكتيك: هل تُدار المعركة بمنطق "الحسم الكلى للصراع" على طريقة نتنياهو وشركائه من اليمين المتطرف، أم عبر "استقرار أمنى مُدار" بتنسيق مؤسسى واقتصادى ودولى أكثر نضجاً؟ إن الجوهر الصهيونى ثابت لا يتغير بتبديل الوجوه، فالجميع يتحرك ضمن سقف أمنى وعقائدى متفق عليه.

وعلى صعيد آخر، تعكس الانتخابات الإسرائيلية المقبلة تحوّلاً ديموغرافياً شديد الخطورة؛ إذ تشير استطلاعات الرأى إلى أن ما يقرب من 75% من الناخبين الشباب (بين 18 و25 عاماً) يُعرفون أنفسهم كيمينيين أو يمينيين متطرفين. وتكشف القراءة الواقعية لهذه الظاهرة عن ولادة جيل نشأ فى أعقاب صدمة السابع من أكتوبر 2023، ولم يعرف سوى خطابات الخوف فى مناخ مشبع بالشعور بالخطر الوجودى،  والاعتماد المطلق على القوة العسكرية؛ جيلٌ يرى فى التشدد البديل الوحيد للبقاء. لذا، يميل هذا الناخب الإسرائيلى الشاب نحو خيار "الحسم الكلي" الذى يتبناه معسكر نتنياهو وشركاؤه؛ وتتغذى هذه الشريحة الانتخابية بوضوح على منصات التواصل الاجتماعى وخطاب التيارات الصهيونية الدينية التى تربط مستقبل إسرائيل بالنقاء العقائدى والسيطرة المكانية الكاملة. مما يجعل الخطاب الشعبوى اليمينى، الذى يَعِد بـ"القضاء التام على الخصوم" و"فرض السيادة الإسرائيلية المطلقة"، أكثر استجابةً لحاجته النفسية إلى الأمان. هنا القاعدة الانتخابية الناشئة باتت تضغط باتجاه مزيد من التشدد والإقصاء، مما يجعل أى حكومات مقبلة أسيرة لهذه التوازنات الديموغرافية والفكرية الصارمة. 

أياً ما كان شكل الائتلاف الحاكم القادم فى تل أبيب، فإن المصلحة العربية تقتضى بلورة مقاربة عربية محددة المعالم، واضحة الأهداف، ومتعددة الأدوات؛ مقاربة لا تنتظر من يجلس على كرسى السلطة فى إسرائيل لتحدد سلوكها، بل تمتلك من أوراق الضغط السياسية، والاقتصادية، والدبلوماسية، والأمنية ما يُمكّنها من فرض معادلة ردع حقيقية وحماية المقومات القومية فى مواجهة أى حكومة تشكلت.