إنَّ التكاملَ بين العلوم الشرعية والدنيويَّةِ أمرٌ لازمٌ وضروريٌّ؛ إذ لا يستغني المسلم عن أحدِهما، فبينهما علاقةُ توافقٍ تخدمُ مصالحَ الإنسانِ، وتستقيمُ بها حياتُهُ دينيًّا ودنيويًّا، وليستْ علاقةَ صراعٍ أو انفصالٍ.
وقد دعت الشريعة الإسلامية إلى هذا الاندماجِ بالتفكُّرِ والتدبُّرِ في ملكوت الله تعالى، وكيفيَّةِ خلقِهِ وصنعِهِ للأشياءِ. قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: 185]، وقال أيضًا: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ﴾ [الروم: 8].
كما حثَّ الإسلام على العلمِ والتعلُّمِ، وجعلَ العلماءَ ورثةَ الأنبياءِ، ولم يخصَّ ذلك بعلمٍ دونَ علمٍ؛ فكلُّ العلومِ ميراثٌ للأنبياءِ، وكلُّ العلماءِ في شتَّى العلومِ ورثةٌ للأنبياءِ. [فيض القدير للمناوي (4/384)، مرقاة المفاتيح للملا علي القاري (1/296)].
وقد جاءَ في «قواعدِ الأحكامِ في مصالحِ الأنامِ» للعزِّ بنِ عبد السلام (1/6): «الطِّبُّ كَالشَّرْعِ وُضِعَ لِجَلْبِ مَصَالِحِ السَّلَامَةِ وَالْعَافِيَةِ، وَلِدَرْءِ مَفَاسِدِ الْمَعَاطِبِ وَالْأَسْقَامِ، وَلِدَرْءِ مَا أَمْكَنَ دَرْؤُهُ مِنْ ذَلِكَ، وَلِجَلْبِ مَا أَمْكَنَ جَلْبُهُ مِنْ ذَلِك».
ولقد تجسَّدَ هذا المنهجُ الشاملُ في الثقافةِ الإسلاميَّةِ، الذي يجمعُ بين الدينِ والعلمِ، في كثيرٍ من العلماءِ الذين اشتغلوا بعلومِ الدينِ والدنيا معًا، وبرعوا فيهما.
ومن هؤلاءِ أبو موسى جابرُ بنُ حيَّان الطرسوسيُّ، وقيل: الطوسيُّ، إمامُ علمِ الكيمياءِ، المتوفَّى سنةَ 815م، الذي كانتْ له شهرةٌ كبيرةٌ عندَ الغربِ بما نقلوهُ من كتبِهِ في بدءِ يقظتِهم العلميَّةِ. قال عنه «برتلو» (M. Berthelot): «لجابرٍ في الكيمياءِ ما لأرسطوطاليسَ قبلَهُ في المنطقِ». وهو أوَّلُ من اكتشفَ الصودا الكاويةَ، وأوَّلُ من استحضرَ ماءَ الذهبِ، وإليه يُنسَبُ استحضارُ مركَّباتٍ أخرى، مثل: كربوناتِ البوتاسيومِ وكربوناتِ الصوديومِ، وقد درسَ خصائصَ مركَّباتِ الزئبقِ واستحضرَها. [كشف الظنون لحاجي خليفة (2/1911)].
ومنهم أيضًا الفخرُ الرازيُّ، المتوفَّى سنةَ 1210م، أحدُ فقهاءِ الشافعيَّةِ المشهورينَ بالتصانيفِ، فقد صنَّفَ نحوَ مائتي مصنَّفٍ، وكان الإمامَ في علومِ الدينِ والدنيا معًا، حتَّى قالَ مؤرِّخوهُ: «إنَّهُ كان أوحدَ زمانِهِ في المعقولِ والمنقولِ وعلومِ الأوائلِ». ولم تكنْ شهرتُهُ في علمِ الطبِّ أقلَّ من شهرتِهِ في علومِ الدينِ. ومن بين آثارِهِ الكثيرةِ: «مفاتيحُ الغيبِ» في تفسيرِ القرآنِ، و«معالمُ أصولِ الدينِ»، و«الخلقُ والبعثُ» في التوحيدِ، كما ألَّفَ في الهندسةِ كتابَ «الهندسةِ»، وكتابَ «مصادراتِ إقليدس». [البداية والنهاية لابن كثير (13/55-56)، النجوم الزاهرة لابن تغري بردي (6/199)].
وختامًا، فإنَّ منهجَ الإسلامِ في التعاملِ مع العلومِ منهجٌ شموليٌّ واسعٌ، يجعلُ العلاقةَ بين العلمِ الدينيِّ والعلمِ الدنيويِّ علاقةَ تكاملٍ، فلا يُستغنى بأحدِ العلمينِ عن الآخرِ، ولا سبيلَ إلى ارتقاءِ الأممِ وتقدُّمِها إلا بهما معًا. فالأطبَّاءُ والمهندسونَ وغيرُهم من أهلِ الخبرةِ داخلونَ في عمومِ أهلِ الذكرِ الذين وجَّهنا القرآنُ الكريمُ إلى سؤالِهم واللجوءِ إليهم، فلا ينبغي الفصلُ بين العلومِ أبـدًا.
الكاتب أستاذ الفقه بجامعة الأزهر عضو مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونيَّة
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض