ليست المأساة دائمًا في المرض نفسه، وإنما قد تبدأ المأساة الحقيقية عندما يجد المريض نفسه مضطرا إلى دفع عشرات الآلاف من الجنيهات حتى يحصل على العلاج الذي يحتاج إليه، رغم أنه لجأ إلى مستشفى حكومي بحثاً عن الرعاية الطبية التي لا يستطيع تحمل تكلفتها في القطاع الخاص.
هذه هي القضية التي نضعها أمام وزير الصحة والسكان، من خلال معاناة مرضى يحتاجون إلى المنظار المرن لعلاج حصوات المسالك البولية، لكنهم يصطدمون بعقبة تتعلق بإتاحة هذه الخدمة للمرضى المستفيدين من التأمين الصحي والعلاج على نفقة الدولة.
المعلومات التي حصلنا عليها من مسؤولي عدد من المستشفيات، العامة والمركزية والتخصصية فى كفر الشيخ والقاهرة وغيرهما من المحافظات تؤكد ندرة وجوده وحتى إن وجد فهناك شبه استحالة في الحصول على هذه الخدمة.
حتى مرضى التأمين الصحي رغم أن هذه الخدمة المفروض أنها متاحة لهم إلا الواقع يؤكد أن هناك صعوبات بالغة في الحصول عليها ،ولدى حالة لزميل تم تحويله من مستشفى للتامين الصحي بحجة عدم وجود الجهاز المرن إلى معهد تيودور بلهارس وظل فى انتظار تحديد موعد لمدة عام واضطر بعد هذه الفترة من الانتظار إلى الاستغناء عن المنظار المرن بعد أن أبلغته إدارة إحدى المستشفيات الحكومية التخصصية بأن إيجار المنظار المرن ٢٨ الف جنيه والاكتفاء بإجراء عملية تفتيت الحصوات بمستشفى خاص بالدقى على نفقته رغم أنه يحمل بطاقة التامين الصحي!
أما الاسوء فى هذه القضية فهى حرمان المنتفعين بالعلاج على نفقة الدولة من هذه الخدمة تماماً.
فالمنظار المرن وان كان متاح بصعوبة بالغة للمرضى المستفيدين من التأمين الصحي، فإنه ممنوع تماما على المستفيدين من العلاج على نفقة الدولة.
المريضة التى تتحدث عنها في هذا المقال تعد نموذجا واضحا لهذه المشكلة. فتقرير الأشعة المقطعية الصادر بتاريخ 7 أكتوبر 2026 يكشف عن وجود حصوات متعددة بالكُلية اليمنى، وحصوة بالحالب الأيمن ، مع وجود دعامة حالبية من نوع «دبل جي».
ونصحها الأطباء في كفر الشيخ بالتوجه للقاهرة لعلها تجد المنظار المرن فى إحدى المستشفيات الحكومية الكبرى ، ولكنها للأسف بعد رحلة بحث طويلة اصطدمت بواقع أليم،وهو عدم وجود هذه الخدمة بالعلاج على نفقة الدولة رغم أن رأى طبيب المسالك البولية المعالج أوصى وفقا لحجم الحصوات، ومكانها وحالة الكُلية بأن المنظار المرن هو الوسيلة الأنسب للعلاج ،والسؤال هنا لماذا تحرم مريضة ظروفها المالية صعبة من العلاج على نفقة الدولة، وتضطر أسرتها إلى تحمل تكلفة فوق طاقتها؟
فالمريضة لا تطلب رفاهية، ولا تبحث عن خدمة إضافية، وإنما تريد الحصول على العلاج المناسب لحالتها، وفي إطار المنظومة التي تلجأ إليها لأنها غير قادرة على تحمل النفقات العلاجية الباهظة.
فإذا كانت هناك عقبات إدارية أو مالية في وزارة الصحة تحول دون إتاحة المنظار المرن لهؤلاء المرضى، فمن واجب وزير الصحة وهو المسئول الأول عن هذه المنظومة البحث عن حلول عملية تضمن حصولهم على العلاج المناسب، سواء من خلال توفير الجهاز، أو التعاقد على استخدامه، أو إحالة الحالات إلى مراكز حكومية مجهزة تستطيع تقديم الخدمة.
أما أن تصبح تكلفة استئجار جهاز طبي تصل إلى نحو ٢٨ ألف جنيه عقبة أمام مريض لا يستطيع تحمل نفقات علاجه، فهذه مشكلة تستحق تدخلًا عاجلًا ومراجعة شاملة لآليات توفير الخدمة.
ولا يتعلق الأمر بحالة مريضة كفر الشيخ وحدها، بل بكثير من المرضى يواجهون نفس المشكلة .
وفى نهاية مقالى اضع هذه القضية أمام الدكتور خالد عبد الغفار وزير الصحة والسكان، والدكتور محمد العقاد رئيس المجالس الطبية المتخصصة، والدكتور تامر مدكور رئيس الهيئة العامة للتأمين الصحي مطالبا بتوضيح آليات إتاحة المنظار المرن للمرضى المنتفعين بالتامين الصحي ومرضى العلاج على نفقة الدولة.
كما اطالب بسرعة بحث حالة مريضة كفر الشيخ وتحديد إمكانية توفير الإجراء الطبي الذي تحتاج إليه على نفقة الدولة، إذ قرر الفريق المعالج ضرورة استخدام المنظار المرن، مع دراسة توفير هذه الخدمة بصورة مستدامة لبقية المرضى المستحقين.
فالدولة التي تتحمل تكلفة علاج المواطن غير القادر لا ينبغي أن تتركه عاجزا أمام تكلفة جهاز طبي، أو تجعله مضطرا إلى الاستدانة للحصول على العلاج.
إن العدالة الصحية لا تتحقق بمجرد إصدار قرار علاج على نفقة الدولة، وإنما تتحقق عندما يستطيع المريض تنفيذ هذا القرار والحصول على الخدمة الطبية التي يحتاج إليها بالفعل.
فهل تتحرك وزارة الصحة لإنهاء هذه المعاناة، وتوفير المنظار المرن للمرضى المستحقين، حتى لا يصبح العلاج متاحاً للقادرين فقط!
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض