من يصدق مرور ربع قرن على إحداث 11 سبتمبر التى دفع بسببها العالم الإسلامى المغلوب على أمره ثمنًا باهظًا نتيجة لتصرفات حمقاء من ثلة من الجهاديين الموتورين تواطأ عن وأدها فى مهدها عصابة المحافظين الجدد بقيادة بوش الابن فبعد الانهيار المدوى للاتحاد السوفيتى قررت المؤسسة العميقة اختراع عدو جديد لكى تزدهر الصناعات النفطية والعسكرية لذا شنوا حربًا شعواء لا هوادة فيها ضد ما أسموه بالارهاب، فتمت استباحة سيادة كل من أفغانستان والعراق والاستيلاء على ثرواتهما الطبيعية فى عملية سطو مسلح على طريقة الكاوبوى أسفرت عن تكبد المنطقة خسائر بشرية فداحة حوالى 4.5 مليون قتيل ونزوح وتشريد ما يقارب من 38 مليون شخص إلى جانب تداعيات خطيرة أبرزها وضع خطة ممنهجة لتشويه سماحة الدين الحنيف وربطه ذهنيًا بالإرهاب فى عقول العوام عبر حملات دعائية خبيثة مع تصاعد ظاهرة الإسلاموفوبيا وازدياد معدلات جرائم الكراهية واستهداف بربرى للمساجد وتزامن كل هذا الألم والقهر النفسى مع إقرار قانون الوطنية العنصرى (Patriot Act) والذى شرعن الانتهاكات الفاضحة بوضع المسلمين تحت المراقبة الأمنية المشددة وإخضاعهم للاستجوابات التعسفية ومصادرة الأموال والممتلكات والتفتيش المهين فى المطارات، لقد كان وما زال التنميط العرقى والعقائدى أسلوب حياة وكأننا لا نتعلم شيئًا من أخطاء الماضى القريب فكانت غزوة السابع من أكتوبر هى بمثابة الحادى عشر من سبتمبر الإسرائيلية هجوم حمساوى مفاجئ وعشوائى على عدة أهداف مختلفة فى وقت واحد بلا هدف استراتيجى واضح قتل وخطف مدنيين أثناء حفل موسيقى داخل مستوطنات غلاف غزة فى حين كانت الأجهزة الأمنية الإسرائيلية ترى وتراقب من بعيد وتتعمد تسريب صور الكمين المخزية لأسر نساء وأطفال وشيوخ على متن الدراجات النارية ليتم استغلال هذه المقطاع الهمجية دعائيًا على أفضل وجه بإلصاق تهم شنيعة لم تحدث من الأساس كقطع رؤوس الأطفال واغتصاب النساء واستثمر نتنياهو تلك الرواية المختلقة لكسب تعاطف ودعم عالمى غير مسبوق وهو ما سمح بإطلاق يده للقضاء على حماس وكل محور المقاومة وفى ظنى أن اغتيال نصر الله كانت نقطة التحول الكبرى والتى على أثرها انهار هذا المحور بالكامل وسقط من بعده نظام بشار الأسد وتلقت طهران وميليشياتها فى العراق وسوريا ولبنان واليمن ضربات موجعة وحتى حماس وافقت على تسليم سلاحها بعد أن تم تدمير القطاع وأصبح أثر من بعد عين واضحى مصير 2.5 مليون فلسطينى فى مهب الريح يعيشون حياة مزرية داخل مخيمات غير آدامية يواجهون شبح المجاعة والأمراض أو خيار التهجير الطوعى أو القسرى بعدما استولت إسرائيل على 60% من أراضى القطاع وقطعت أوصاله وقتلت اكثر من 70 ألفًا من الاطفال والنساء وجرح ونزوح مئات الآلاف، وكذلك استولت على مساحات شاسعة من الأراضى اللبنانية والسورية
يقينا سمات يحيى السنوار النضالية جديرة بالاحترام لكن مؤهلاته وقدراته القيادية محل نقد فقد أخطأ خطأ استراتيجيًا جسيمًا لا يغتفر، لا يمكن لمنصف عاقل أن يجرم فكرة ومشروعية المقاومة فهى حق إنسانى قبل أن يكون شرعيًا وقانونيًا، ولكن هنالك فرق جوهرى بين المقاومة الرشيدة الذكية التى تعرف قياس موازين القوة والتكيف مع ظروف البيئة الدولية وبين مقاومة شعبوية متهورة يتم اصطيادها بسهولة، ولا شك أن تجربة عبدالناصر جد ملهمة فى هذا السياق فقد طرًا تغيير جذرى على شخصية ونهج عبدالناصر الزعيم الشعبوى الحالم إلى واقعية رجل الدولة البراجماتى عقب تذوقه كأس هزيمة يونيو وتبعاتها المريرة
يجب الوقوف على أسباب تكرار الهزائم المحبطة بنفس الطريقة اعتقد أن أبرزها هو ذلك الاختلاف الجوهرى بين الثقافة الغربية والعربية فالثقافة الغربية عقلانية وموضوعية تؤمن بأهمية النقد الذاتى وتحليل الأحداث واستخلاص العبر والدروس فتنشأ لذلك لجان محايدة لتقصى الحقائق وليست هناك أصنام تعبد فلا أحد مهما كان منصبه فوق المساءلة أو المحاسبة، أما الثقافة العربية فهى عاطفية وانفعالية تعيش فى عصر الأبطال الشعبيين أمثال عنترة وأبو زيد الهلالى تبرّر الهزائم وتبكى على أطلال الماضى باختصار ما نحن فيه هو نتاج منطقى لأزمة عميقة فى الوعى ولا سبيل للخروج من هذا الوضع المأزوم إلا بتغيير ثقافة الموروث الشعبى وهو بالمناسبة ليس مستحيلًا والدليل هو التخطيط العلمى لنصر السادس من أكتوبر.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض