في مشهد لافت خلال إستقبال الرئيس عبد الفتاح السيسي في كوريا الجنوبية، قدم الرئيس الكوري لي جيه ميونغ مفاجأة تمثلت في أداء مجموعة من الأطفال الكوريين أغنية "فيها حاجة حلوة "، فبدت الإبتسامة على وجه الرئيس السيسى وتحولت لحظة الإستقبال إلى مشهد إنساني يتجاوز حدود البروتوكول والدبلوماسية
توقفت طويلاً أمام المشهد، وتحديداً أمام اختيار أغنية مصرية تحمل في كلماتها حكاية وطن اسمه مصر، وتختصر شيئاً من جماله وروحه وتاريخه
و تساءلت كيف وقع الإختيار على هذه الأغنية تحديداً ؟ وكيف وصلت كلماتها إلى أطفال يبعد وطنهم عنا آلاف الأميال، ليؤدوها ببراعة في مناسبة رسمية لإستقبال رئيس مصر؟
حاجة حلوة بينا ، حاجة كل مدى تزيد زيادة، فيها إن
فيها نية صافية، فيها حاجة دافية، حاجة بتخليك تتبت فيها سنة سنة
كلمات تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تحمل معاني عميقة عن الحب والإنتماء والإرتباط بالوطن
تلك التفاصيل الصغيرة التي تجعل الإنسان متعلقاً بأرضه، حتى لو ابتعد عنها، وعن إحساس يصعب تفسيره، لكنه يظل حاضراً في القلب
لكن ما لمس قلبي أداء الأطفال لها. أطفال لا يتحدثون العربية بوصفها لغتهم الأم، ومع ذلك رددوا كلماتها في مشهد منح الأغنية مذاقاً مختلفاً، وكأنهم استطاعوا أن ينقلوا إلينا إحساسها، حتى وإن لم نعرف على وجه الدقة مقدار فهمهم لمعانيها
وهنا تكمن روعة المشهد أن تجد كلمات مصرية خالصة على ألسنة أطفال من ثقافة مختلفة، وأن تسمع لحناً تعرفه جيداً ، لكنه يأتيك هذه المرة من أصوات تنتمي إلى لغة أخرى وثقافة أخرى، فتشعر بأن مساحة مشتركة قد نشأت بينك وبينهم، صنعتها الموسيقى.
فاللغة تختلف من شعب إلى آخر، لكن المشاعر الإنسانية تتجاوز كثيراً من حواجزها، والموسيقى قادرة على فتح أبواب للتواصل لا تستطيع الكلمات وحدها فتحها، ومنح الأطفال بُعداً إنسانياً جميلاً وأعاد إلى الأذهان حقيقة أن الفن يستطيع أن يعبر الحدود، وأن يصل إلى الوجدان بوسائل تتجاوز اللغة والجغرافيا.
هنا تتجلى قوة مصر الناعمة.
فمصر حضارة تمتد آلاف السنين ، آثاراً تحكي قصص الملوك والفراعنة، و هي أيضاً روح تسكن تفاصيل الحياة، ولهجة تحمل الدفء، وأغنية تختصر الحنين، وفن استطاع أن يعبر الأجيال ويصل إلى وجدان شعوب مختلفة
إنها مصر التي نحبها، ثقافة حية تتجدد، وإبداع لا يتوقف عند حدود المكان، وهوية تجمع بين الأصالة والقدرة على التواصل مع العالم. وقد أسهمت الأغنية المصرية والأفلام والموسيقى، على امتداد عقود، في تشكيل ذاكرة ثقافية مشتركة لدى أجيال عربية، ووصلت أعمال مصرية أيضاً إلى جمهور خارج المنطقة العربية والعالمية
ولعل أغنية فيها حاجة حلوة ، التي كتب كلماتها أيمن بهجت قمر وألحان الموسيقار الكبير عمر خيرت ،واكتسبت شهرة واسعة بصوت ريهام عبد الحكيم، تحمل في عنوانها ومعناها ما يتجاوز وصف جمال المكان، فهي تتحدث عن علاقة الإنسان بوطنه، وعن التفاصيل التي تجعله متعلقاً به، وعن ذلك الشعور الذي يعجز عن شرحه، لكنه لا يعجز عن الإحساس به.
وعندما يقع الإختيار على أغنية كهذه في مناسبة استقبال رسمية، فإن الأمر يلفت الإنتباه إلى دور الثقافة في العلاقات بين الدول والتعرف إلى فنون الشعوب، وبناء جسور من التفاهم والإحترام المتبادل
فقد تفعل أغنية ما لا تفعله صفحات من الكلمات، لأنها تخاطب الإنسان من المنطقة التي تلتقي فيها الذاكرة بالعاطفة، والفن بالتجربة الإنسانية
والأجمل أن الأغنية لم تفقد هويتها المصرية عندما غناها أطفال من بلد آخر، و اكتسبت مساحة جديدة من الحضور. خرجت من إطارها المألوف لتلتقي بثقافة بعيدة، وتؤكد أن الفن المصري قادر على أن يجد طريقه إلى قلوب الآخرين، وأن يقدم صورة عن مصر لا تختصرها كتب التاريخ أو نشرات الأخبار.
لقد رأيت في هذه اللحظة أكثر من لحن وكلمات ، رأيت صورة لمصر التي تحمل في تاريخها عظمة الماضي، وفي ثقافتها ثراء الحاضر، وفي أبنائها أحلام المستقبل. ورأيت كيف يمكن لأغنية مصرية أن تتحول إلى رسالة محبة، وكيف يستطيع الفن أن يصنع لحظة تواصل إنساني بين شعبين، حتى عندما لا يتحدث أطفالهما اللغة نفسها.
نعم، فيها حاجة حلوة ،في مصر شيء يجعل أبناءها يعودون إليها مهما ابتعدوا، وشيء يجعل ثقافتها قادرة على الوصول إلى الآخرين بطرق قد لا نتوقعها
إنها حلاوة التاريخ و يتحول إلى هوية، وحلاوة الفن ليصبح لغة مشتركة، وحلاوة الوطن ،ليظل حاضراً في القلوب والذاكرة.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض