رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

تحولت البيانات الصحفية والتقارير الدورية الصادرة عن العديد من المؤسسات العامة فى الآونة الأخيرة إلى ما يشبه القوائم المالية لشركات القطاع الخاص؛ حيث تتصدر أرقام الحصيلة المحققة والوفورات الموردة للخزانة واجهات الإنجاز. بات هذا الخطاب يُكرّس معياراً ضمنياً يُقاس به نجاح المسئول: «كم حصّل؟ وكم وفّر؟ وكم حوّل؟». يثير هذا التحول تحفظاً فنياً ومهنياً عميقاً من منظور اقتصاديات القطاع العام، ليس تقليلاً من أهمية الانضباط المالى، بل لخطورة الخلط بين طبيعة «المرفق العام» وطبيعة «الوحدة الاقتصادية الهادفة للربح»، وتأثير ذلك المباشر على جوهر العقد الاجتماعى.

1- الخلط بين منطق الدولة ومفهوم المنشأة التجارية:

الغاية الوجودية للمؤسسات الحكومية ليست تعظيم الإيراد النقدى، بل توليد القيمة العامة، وتغطية مجالات يعجز السوق الحر عن تقديمها بعدالة وكفاءة، ولضمان حقوق أساسية كالأمن والتقاضى وتيسير التجارة. عندما تتحول الإيرادات من مجرد مورد لتمويل الخدمة وتغطية تكاليفها إلى هدف استراتيجى ومؤشر نجاح، تقع المؤسسة فى انحراف صريح؛ فالدولة ليست تاجر تجزئة أو صندوقا استثماريا، بل دورها تمكين المواطن وقطاع الأعمال من الإنتاج فى بيئة ميسرة وبأقل تكلفة معاملات ممكنة.

2- فخ «قانون جودهارت» وتشوه مؤشرات الأداء:

ينص قانون جودهارت على: «عندما يتحول المقياس إلى هدف، فإنه يفقد صلاحيته كمقياس». فحين يرتبط الرضا عن الجهة بحجم الحصيلة الموردة، تتجه الجهود تلقائياً نحو تعظيم الرسوم واستحداث بنود تحصيلية دون تحسن ملموس فى الخدمة، مع إهمال جودة التجربة العامة كزمن الانتظار والمعاملة الإنسانية، وإبطاء مسار الإصلاح الهيكلى وتبسيط الإجراءات خشية تقليل الرسوم، فتتم التضحية بالكفاءة التنظيمية لحساب بقاء «شباك التحصيل».

3- التكلفة الاقتصادية غير المنظورة:

يتغافل الاحتفاء بالحصيلة عن كلفة باهظة تُسدد من شرايين الاقتصاد الحقيقي؛ فالتمادى فى فرض رسوم باهظة يرفع تكلفة ممارسة الأعمال محلياً، ما يضعف تنافسية الصادرات الوطنية ويطرد الاستثمارات المنتجة لحساب فوائض تحصيلية سريعة. يتوازى مع ذلك استنزاف مباشر للقدرة الشرائية للمواطن؛ إذ تتحول الخدمات الأساسية إلى عبء شبه ضريبى يثقل كاهل الأسر دون عائد إنتاجى. وحين يتحول تركيز الموظف العام من تسهيل المعاملات إلى التدقيق فى إيصالات السداد، تتعطل عجلة النشاط والإنتاج لصالح إجراءات روتينية مستنزفة.

4- استعادة المعايير الحقيقية لجودة الأداء العام:

المقياس المهنى للمؤسسة لا يكمن فى الحصيلة، بل فى الأثر الحقيقى المتروك، المرتكز على:

* الوصول والشمول: إتاحة الخدمة للمواطن والمستثمر بسلاسة وكرامة ودون عوائق.

* تناسب القيمة مع المقابل: تعبير المقابل المالى عن التكلفة الفعلية دون مبالغة، متناسب مع جودتها.

* الكفاءة الزمنية والإجرائية: تقليص زمن إنهاء المعاملة وإلغاء المسارات الورقية نهائياً.

* رضا المستفيدين والشفافية: قياس رضا المتعاملين عبر منصات محايدة تضع شكاواهم فى صلب التقييم.

* الأثر التمكينى للوطن: مساهمة القرارات والتسهيلات فى تحريك عجلة الإنتاج وتيسير حياة الناس.

إن تعزيز إيرادات الدولة غاية مشروعة، لكن موقعها السليم هو السياسات الضريبية العامة وقنوات الاستثمار والإنتاج، لا تحويل شبابيك الخدمات ومصالح الدولة إلى بوابات تحصيل. فأعظم حصيلة يقدمها جهاز حكومى ليست رقماً نقدياً فى بيان صحفى، بل خدمة ميسرة، ومواطن يشعر بكرامته وكفاءة مؤسسات بلاده.

 

مستشار قانونى