تحولت البيانات الصحفية والتقارير الدورية الصادرة عن العديد من المصالح والمؤسسات العامة في الآونة الأخيرة
إلى ما يشبه القوائم المالية لشركات القطاع الخاص؛ حيث تصدر أرقام الحصيلة المحققة بالعملة المحلية y أو الأجنبية،
أو أحجام الدورات المالية الموردة للخزانة، واجهات الإنجاز ومسؤولي العناوين.
بكم حُصل؟ وبكم وُرد؟ وبكم قيس نجاح المسؤول أو كفاءة المرفق؟
يكرّس هذا الخطاب ضمناً مساراً يبتعد عن طور علم إدارة الأعمال أو عابراً من متطلبات الإدارة العامة، واضعاً
أهمية الضوابط المالية أو وتنمية الموارد الذاتية للدولة في محل خطورة بالغة تعتري طبيعة العلاقة بين «المرفق العام» ووحدة
الاقتصادية الهادفة للربح، وليست رئيساً أو كشركاء في جوهر العقد الاجتماعي. الخلط بين منطق الدولة ومفهوم المنشأة التجارية
الرعاية الوظيفية للمؤسسات الحكومية ليست مطيعة للإدارة البحتة، بل ديلون القيامة العامة.
تأصلت فكرة المرفق العام لتغطية مجالات يعجز السوق الحر عن تقديمها بعدالة وكفاءة، أو لضمان حقوق أساسية لمختلف
رُسّت حركة التجارة، وحفظ الأمن، وتظيم العمران، وتقديم خدمات الصحة والتعليم والتوثيق والتقاضي.
عندما تحولت الإدارات من مجرد «دور لتنمويل الخدمة وتغطية تكلفتها التشغيلية» إلى «هدف استراتيجي في شؤونه ومصالح
مستقل»، تقع المؤسسة في فارق صريح. الدولة ليست متجر تجزئة ولا صندوق استثمار؛ دورها خدمة استقرار الوطن
هئامؤ ورئيس يمكنكم المواطن وقطاع الأعمال من العمل والإنتاج في بيئة رسمية وأقل كلفة معاملات ممكنة. فخ «قانون جودهارت» وتشويه مؤشرات الأداء (KPIs)
عندما يتحول القياس إلى هدف، يقول قانون جودهارت (Goodhart's Law) على إنه: «عندما يصبح القياس هدفاً، يفسد
كنظام أساسي للمؤسسة، يفقد صلاحيته كمقياس».
عندما يكدّر القائمون على جهة خدمية أن رضاهم عن نجاحهم رضاهم عنهم يتغير ـ (كحجم الحصيلة المتراكمة الموردة)، تتجه
وحو : جهود الإدارة تلفائياً
التسعير الرسوم واستحداث القيود التشصيلية: تحت تسميات رسوم خدمات تطوير ودون أن يقاتلها تحسن
ملموس في بيئة تقديم الخدمة.
إهمال جودة البيروقراطية العامة: زمن الانتظار، ورقمنة الإجراءات الحقيقية، ومستوى المعاملة الإنسانية.
إعطاء راسم الإصلاح للهيكلي: لأن تسيط الإجراءات أو إلغاء ضعف الأوراق والاشتراطات البيروقراطية قد يقلل من
حجم الرسوم، الحصيلة متنت التضحية بالكفاءة التنظيمية بحساب «كاش التحصيل». الشكلقة الاقتصادية غير المطورة
إن الاحتقان بحجم الحصيلة لصالح جهة معينة يستهلك تفاعلاً عن كلفة اقتصادية باهظة تطال المعاملات، يؤدي التمادي في فرض رسوم باهظة ومقابل خدمات مرتفع على كل ترخيص على بعض شكلّية الحقيقة.
وهو ما فضّلت تبعه نسبة الصادرات الوطنية وتدريج الاستثمارات الممنحة،
ومستند إلى رفع كلفة ممارسة الأعمال محلياً
بحساب فوائد التحصيل السريعة.
يتوازى مع ذلك استنزاف رشاكم للقدرة الشرائية للمواطن؛ إذ يتحول الحصول على الأوراق والمستندات والخدمات
الأساسية إلى عبء هشّ يغيّر رسوم رشاكم يقلل هيكل الأسرة ويزيد الضغوط التشعية دون عائد إنتاجي يذكر.
ولا يقف الخسارة عند هذا الحد، بل يمتد ليضرب كفاءة التشخيص الاقتصادي في مقبل؛ حين يتركّز الموظف العام
من لتهسير معاملات الناس لحو معوقاتهم التنظيمية إلى التدقيق في تلااصإ السداد رصحو، والدارات أطاعت الدورة
القتصادية اهلمكأها تعطّلت وعجلة النشاط والإنتاج لصالح إجراءات تحصيل روتينية مستنزفةالاقتصادية بأكملها وتتعطل عجلة النشاط والإنتاج لصالح إجراءات تحصيل روتينية مستنزفة. استعادة المعايير الحقيقية لجودة الأداء العام
إن المقياس المهني لأي مؤسسة حكومية لا يكمن في حجم الحصيلة، بل في الأثر الحقيقي المتروك على أرض الواقع، والذي
ينبغي أن يقوم على خمسة مرتكزات أساسية:
الوصول والشمول: هل الخدمة متاحة لكل مواطن ومستثمر بسلاسة وكرامة، ودون وساطة أو عوائق جغرافية
وإجرائية؟
تناسب القيمة مع المقابل: أن يكون المقابل المالي - إن وجد - معبراً بدقة عن التكلفة الفعلية لتقديم الخدمة
دون مبالغة، متناسباً طردياً مع مستواها وجودتها.
الكفاءة الزمنية والإجرائية: كم دقيقة استغرقها المواطن لإنهاء معاملته؟ وكم مساراً ورقياً تم إلغاؤه نهائياً؟
رضا المستفيدين والشفافية: قياس رضا المتعاملين عبر منصات مستقلة ومحايدة، تضع شكاواهم في صلب
مراجعة الأداء الدوري.
هـ الأثر التمكيني للوطن: كيف أسهمت قرارات وتسهيلات هذه الجهة في تحريك عجلة الإنتاج، وتيسير حياة الناس
ودعم استقرار المجتمع؟
إن تعزيز إيرادات الدولة غاية اقتصادية مشروعة وواجبة، لكن موقعها السليم هو السياسات الضريبية العامة وقنوات
الاستثمار والإنتاج الاقتصادي، لا عبر تحويل شبابيك الخدمات العامة ومصالح الدولة التنظيمية إلى بوابات تحصيل تتنافس
على حجم الأرقام. تظل الدولة بكل مصالحها وأجهزتها، قائمة لخدمة الوطن وتيسير شؤون مواطنيه، وأعظم حصيلة يمكن
لجهاز حكومي أن يقدمها ليست رقماً نقدياً في بيان صحفي، بل خدمة ميسرة، ومواطن يشعر بكرامته وكفاءة مؤسسات
بلاده.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض