فخ الحصيلة المالية: كيف نسينا المواطن في تقارير الإنجاز؟
تحولت البيانات الصحفية والتقارير الدورية الصادرة عن العديد من الجهات والمصالح والمؤسسات العامة في الآونة الأخيرة إلى ما يشبه القوائم المالية لشركات القطاع الخاص؛ حيث تتصدر أرقام الحصيلة المحققة بالعملة المحلية أو الأجنبية، وأحجام الوفورات المالية الموردة للخزانة، واجهات الإنجاز ورؤوس العناوين.
بات هذا الخطاب يُكرّس معياراً ضمنياً يُقاس به نجاح المسؤول أو كفاءة المرفق: كم حصّل؟ وكم وفّر؟ وكم حوّل؟
يثير هذا التحول تحفظاً فنياً ومهنياً عميقاً من منظور علم الإدارة العامة واقتصاديات القطاع العام، ليس من باب التقليل من أهمية الانضباط المالي أو تنمية الموارد الذاتية للدولة، بل لخطورة الخلط بين طبيعة «المرفق العام» وطبيعة «الوحدة الاقتصادية الهادفة للربح»، وتأثير ذلك المباشر على جوهر العقد الاجتماعي.
1. الخلط بين منطق الدولة ومفهوم المنشأة التجارية
الغاية الوجودية للمؤسسات الحكومية ليست تعظيم الإيراد النقدي، بل توليد القيمة العامة.
نشأت فكرة المرفق العام لتغطية مجالات يعجز السوق الحر عن تقديمها بعدالة وكفاءة، أو لضمان حقوق أساسية تشمل تيسير حركة التجارة، وحفظ الأمن، وتنظيم العمران، وتقديم خدمات الصحة والتعليم والتوثيق والتقاضي.
عندما تتحول الإيرادات من مجرد «مورد لتمويل الخدمة وتغطية تكاليفها التشغيلية» إلى «هدف استراتيجي ومؤشر نجاح مستقل»، تقع المؤسسة في انحراف صريح. الدولة ليست تاجر تجزئة ولا صندوق استثمار؛ دورها خدمة استقرار الوطن ونمائه عبر تمكين المواطن وقطاع الأعمال من العمل والإنتاج في بيئة ميسرة وبأقل تكلفة معاملات ممكنة.
2. فخ «قانون جودهارت» وتشوه مؤشرات الأداء (KPIs)
في أدبيات القياس المؤسسي، ينص قانون جودهارت (Goodhart's Law) على أنه: «عندما يتحول المقياس إلى هدف، فإنه يفقد صلاحيته كمقياس».
عندما يدرك القائمون على جهة خدمية أن معيار نجاحهم والرضا عنهم يرتبط بـ«حجم الحصيلة التراكمية الموردة»، تتجه جهود الإدارة تلقائياً نحو:
* تعظيم الرسوم واستحداث البنود التحصيلية: تحت مسميات رسوم خدمات وتطوير دون أن يقابلها تحسن ملموس في بيئة تقديم الخدمة.
* إهمال جودة التجربة العامة: كزمن الانتظار، ورقمنة الإجراءات الحقيقية، ومستوى المعاملة الإنسانية.
* إبطاء مسار الإصلاح الهيكلي: لأن تبسيط الإجراءات أو إلغاء بعض الأوراق والاشتراطات البيروقراطية قد يقلل من حجم الرسوم المحصلة، فتتم التضحية بالكفاءة التنظيمية لحساب بقاء «شباك التحصيل».
3. التكلفة الاقتصادية غير المنظورة
إن الاحتفاء بحجم الحصيلة لصالح جهة معينة يتغافل عن كلفة اقتصادية باهظة تُسدد بطرق خفية من شرايين الاقتصاد الحقيقي. فعلى صعيد تكلفة المعاملات، يؤدي التمادي في فرض رسوم باهظة ومقابل خدمات مرتفع على كل ترخيص ومستند إلى رفع تكلفة ممارسة الأعمال محلياً، وهو ما يضعف تنافسية الصادرات الوطنية ويطرد الاستثمارات المنتجة لحساب فوائض تحصيلية سريعة.
يتوازى مع ذلك استنزاف مباشر للقدرة الشرائية للمواطن؛ إذ يتحول الحصول على الأوراق والمستندات والخدمات الأساسية إلى عبء شبه ضريبي غير مباشر يثقل كاهل الأسر ويزيد الضغوط المعيشية دون عائد إنتاجي يذكر.
ولا تقف الخسارة عند هذا الحد، بل تمتد لتضرب كفاءة التخصيص الاقتصادي في مقتل؛ فحين يتحول تركيز الموظف العام من تسهيل معاملات الناس وحل معوقاتهم التنظيمية إلى التدقيق في إيصالات السداد وحصر الإيرادات، تتباطأ الدورة الاقتصادية بأكملها وتتعطل عجلة النشاط والإنتاج لصالح إجراءات تحصيل روتينية مستنزِفة.
4. استعادة المعايير الحقيقية لجودة الأداء العام
إن المقياس المهني لأي مؤسسة حكومية لا يكمن في حجم الحصيلة، بل في الأثر الحقيقي المتروك على أرض الواقع، والذي ينبغي أن يقوم على خمسة مرتكزات أساسية:
1. الوصول والشمول: هل الخدمة متاحة لكل مواطن ومستثمر بسلاسة وكرامة، ودون وساطة أو عوائق جغرافية وإجرائية؟
2. تناسب القيمة مع المقابل: أن يكون المقابل المالي – إن وُجد – معبراً بدقة عن التكلفة الفعلية لتقديم الخدمة دون مبالغة، متناسباً طردياً مع مستواها وجودتها.
3. الكفاءة الزمنية والإجرائية: كم دقيقة استغرقها المواطن لإنهاء معاملته؟ وكم مساراً ورقياً تم إلغاؤه نهائياً؟
4. رضا المستفيدين والشفافية: قياس رضا المتعاملين عبر منصات مستقلة ومحايدة، تضع شكاواهم في صلب مراجعة الأداء الدوري.
5. الأثر التمكيني للوطن: كيف أسهمت قرارات وتسهيلات هذه الجهة في تحريك عجلة الإنتاج، وتيسير حياة الناس، ودعم استقرار المجتمع؟
إن تعزيز إيرادات الدولة غاية اقتصادية مشروع وواجبة، لكن موقعها السليم هو السياسات الضريبية العامة وقنوات الاستثمار والإنتاج الاقتصادي، لا عبر تحويل شبابيك الخدمات العامة ومصالح الدولة التنظيمية إلى بوابات تحصيل تتنافس على حجم الأرقام. تظل الدولة، بكل مصالحها وأجهزتها، قائمة لخدمة الوطن وتيسير شؤون مواطنيه، وأعظم حصيلة يمكن لجهاز حكومي أن يقدمها ليست رقماً نقدياً في بيان صحفي، بل خدمة ميسرة، ومواطن يشعر بكرامته وكفاءة مؤسسات بلاده.