رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

ستظل معركة الكرامة في السادسِ من أكتوبر من أعظمِ المعاركِ وأجلِّ الانتصارات؛ تلك المعركة التي لم تكنْ مجرَّدَ مواجهة عسكرية وفُرقانٍ بين الحقِّ والباطلِ فحسبُ، بل كانتْ لحظةً فارقةً في الوعيِ واليقينِ والصبرِ والابتكارِ؛ فهي معركة اجتمعتْ فيها الإرادةُ والعزيمةُ مع الصبرِ واليقينِ، ومع الابتكار والتخطيط. لذلك ما زالتْ تلك المعركةُ يُستلهمُ منها كثيرٌ من الدروسِ والعبرِ. ولعلَّنا نُبرزُ في هذه الكلماتِ درسًا وعبرةً من أجلِّ وأقوى دروسِ معركةِ الكرامةِ والنصرِ في السادسِ من أكتوبر، ألَا وهي عبرةُ «إزالةِ الساترِ الترابيِّ "بارليف المنيع"»، ذلك الإعجازُ الدائرُ بين الصبرِ والابتكار.

فقد صدقَ قولُ اللهِ تعالى في هؤلاء المعتدينَ الغاصبينَ؛ إذ يقولُ عزَّ وجلَّ: ﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ﴾ [الحشر: 14]. فإنَّهم، مع اعتداءاتِهم الصارخةِ أمامَ العالمِ أجمعَ، قلوبُهم مرعوبةٌ، ونفوسُهم خائفةٌ مفزوعةٌ، ممَّا يجعلُ قوَّةَ ما يمتلكونَهُ من السلاحِ لا أثرَ لها ولا فائدةَ منها. لذلك دائمًا ما يسارعونَ، بعدَ اعتداءاتِهم الدنيئةِ، إلى بناءِ التحصيناتِ والأسوارِ العاليةِ خوفًا من المواجهةِ الحقيقيَّةِ والمعاركِ النزيهة.

فمنذُ أوَّلِ لحظةٍ اعتدوا فيها على الأراضي المصريَّةِ، أقاموا الساترَ الترابيَّ بطولِ الضفَّةِ الشرقيَّةِ لقناةِ السويسِ المصريَّةِ، وأشاعوا في العالمِ بأسرهِ أنَّ ما بنوهُ على امتدادِ الضفَّةِ الشرقيَّةِ من الخطِّ الترابيِّ المُسمَّى «خطَّ بارليف»، نسبةً إلى رئيسِ الأركانِ الإسرائيليِّ آنذاكَ «حاييم بارليف»، هو خطٌّ لا يُقهَرُ. وقد بدأوا بناءَهُ عامَ 1969م أثناءَ حربِ الاستنزافِ، وصُمِّمَ ليكونَ جدارًا رمليًّا ضخمًا يمتدُّ على طولِ الضفَّةِ الشرقيَّةِ لقناةِ السويسِ، بارتفاعٍ يتراوحُ بين (20) و(25) مترًا، وبزاويةِ ميلٍ حادَّةٍ جدًّا يصعبُ معها تسلُّقُهُ. بل أكثروا فيه من بناءِ الدُّشَمِ والتحصيناتِ التي شكَّلتْ سلسلةً من الثكناتِ ومراكزِ القيادةِ المصنوعةِ من الخرسانةِ المسلَّحةِ، والمجهَّزةِ لصدِّ أيِّ هجومٍ أو عبورٍ مصريٍّ.

ولم تنتهِ ابتكاراتُ الصهاينةِ عند هذا الحدِّ في بناءِ ذلك الساترِ الترابيِّ الضخمِ، بل زوَّدوهُ على امتدادِه بأنابيبِ النابالمِ التي تعملُ بموادَّ حارقةٍ بمجرَّدِ اقترابِ أيِّ قوَّاتٍ مهاجمةٍ.

ثمَّ روَّجوا للعالمِ بأسرهِ هذه القوَّةَ المزعومةَ في مخيِّلتِهم، فصدَّقَ كثيرٌ من الناسِ إشاعاتِهم بأنَّه خطٌّ لا يُقهَرُ ولا يمكنُ اختراقُه.

لكنْ كان لعزيمةِ الجنديِّ المقاتلِ المصريِّ رأيٌ آخرُ؛ رأيٌ مبنيٌّ على العزيمةِ الصامدةِ في استردادِ حقِّهِ، وأنَّه لا يمكنُهُ العيشُ بالكرامةِ والعزَّةِ إلَّا باستردادِ ما اغتصبَهُ المعتدونَ من أرضِهِ والدفاعِ عنها. وقد تحلَّتْ تلك العزيمةُ الصارمةُ بصدقِ اليقينِ باللهِ تعالى، وأنَّه سبحانه وتعالى له ناصرٌ ومعينٌ؛ فكانتْ أوَّلُ خطواتِ الجنديِّ المقاتلِ المصريِّ هي الابتكارُ والتخطيطُ لاستردادِ حقِّهِ وأرضِهِ.

ولقد صاحبَ ذلك السعيَ والخطى الصبرُ الجميلُ؛ الصبرُ الذي مثَّلَ للجنديِّ المصريِّ المقاتلِ الركيزةَ الأساسيَّةَ والعنصرَ الحاسمَ الذي شدَّ من شوكتِهِ، وأصلبَ ظهرَهُ في مواجهةِ العدوِّ الغاصبِ؛ ذلكم الصبرُ الذي قوَّى روحَهُ المعنويَّةَ على الصمودِ أمامَ العدوِّ الغاصبِ، وعلى المواجهةِ الحقيقيَّةِ للأزماتِ وتحدِّي الصعوباتِ.

فكان من أجملِ الدروسِ والعبرِ التي تحلَّى بها الجنديُّ المصريُّ، ما بين مقاتلٍ ومعلِّمٍ، ومفكِّرٍ، ومخترعٍ، وصاحبِ حرفةٍ أو صنعةٍ، من مختلفِ طبقاتِ الشعبِ المصريِّ الأصيلِ.

فلقد تكاتفَ كلُّ أبناءِ الشعبِ المصريِّ مع أبناءِ جيشِهم الباسلِ العظيمِ، فشاركوهُم أحلكَ اللحظاتِ وأشدَّها، وشدُّوا من أزرِهم، وقوَّوا من عزائمِهم، فأسهمَ كلُّ ذي حرفةٍ وصنعةٍ بما يملكُ من خبرةٍ ومهارةٍ، حتَّى حقَّقَ اللهُ تعالى لهم النصرَ والكرامةَ في يومِ السادسِ من أكتوبر.

ولعلَّ أبرزَ ما أنتجهُ ذلك التحلِّي بالصبرِ، مع قوَّةِ العزيمةِ الصارمةِ في التخطيطِ والابتكارِ، هو ما تقدَّمَ به المهندسُ المصريُّ باقي زكي يوسف إلى القيادةِ السياسيَّةِ والعسكريَّةِ للجيشِ المصريِّ الباسلِ من فكرةٍ رائعةٍ مبتكرةٍ لفتحِ هذا الساترِ الترابيِّ المزعومِ استحالةُ اختراقِهِ وتدميرِهِ. ولقد كان تهيئةُ هذه الفكرةِ وتنفيذُها، مع ما يلزمُها من تدابيرَ عسكريَّةٍ لعبورِ الجيشِ المصريِّ الباسلِ، غايةً في الابتكارِ غيرِ التقليديِّ.

وكانتْ فكرةُ المهندسِ باقي زكي تتلخَّصُ في إعدادِ مضخَّاتِ مياهٍ عاليةِ القدرةِ لجذبِ مياهِ قناةِ السويسِ وتجريفِ الرمالِ برشِّ تلك المياهِ، بديلًا مبتكرًا عن استخدامِ المتفجِّراتِ والمعدَّاتِ العسكريَّةِ الثقيلةِ، ممَّا كان سيستغرقُ وقتًا طويلًا، ويستلزمُ التضحيةَ بكثيرٍ من أبناءِ الجيشِ المصريِّ الباسل.

فكانتْ هذه الفكرةُ المبتكرةُ في ذلك الوقتِ العصيبِ ما هي إلَّا نتاجُ يقينٍ باللهِ تعالى، وكدٍّ وسعيٍ متجمِّلٍ بالصبرِ الجميلِ؛ للوصولِ إلى كلِّ ابتكارٍ يمكنُ به، وباستخدامِهِ، استعادةُ الأرضِ ورفعُ رايةِ الكرامةِ والعزَّةِ والنصرِ من جديدٍ.

عضو هيئة التدريس بجامعة الأزهر