كلمة حق
لا أستطيع أن أخفى سعادتى الغامرة وإرتياحى الشديد لما كشفت عنه أحداث وتطورات الأيام القليلة الماضية، والتى أكدت وبما لا يدع مجالًا لشك أن هناك رجالًا وطنيين، مخلصين، وعلى قدر كبير من العلم والنبوغ، يقبعون فى الظل خلف الكاميرا، لا أمامها، يراجعون القوانين المحالة لسيادة الرئيس للتصديق.
لم يعد تصديق الرئيس على القوانين مجرد إجراء روتينى كما جرى العرف واستقر أبان الستين عامًا السابقة على حكم الرئيس السيسى.
وتأتى سعادتى مدعومة بما عايشته على أرض الواقع وبأمثلة كثيرة أذكر لك عزيزى القارئ بعضها كدليل قاطع لما لمسته واطمأن به قلبى.
لقد قامت الدنيا ولم تقعد وتباينت ردود الأفعال حول القانون المقدم إلى مجلس النواب والذى يحوى مادة واحدة فقط وهى إرجاء العمل بقانون الإجراءات الجنائية، وما اشتمل عليه جدول هذه الجلسة الهامة من مجلس النواب، والتى جاء فيها اعتراض رئيس الجمهورية على قانون إنشاء جامعة الكيان للعلوم التطبيقية، وما تضمنه نص المادة 25 من مشروع القانون من حكم منح المكافأة الشهرية والسنوية لطلاب الشعبة العسكرية، إمعانًا فى تعزيز مبدأ المساواة الدستورية.
هذا ما شاهده الجميع ولكننى وجدتنى أنظر إلى الموضوع من منظور آخر وبعد آخر.. فالسوابق البرلمانية تقول إنه حق الرئيس الدستورى فى الاعتراض على بعض القوانين والذى لم يستخدم فى التاريخ البرلمانى المصرى سوى أربع مرات فقط ثلاث منها من نصيب الرئيس السيسى وهو نصيب الأسد، بدأها الرئيس الراحل أنور السادات فى الاعتراض على قانون العدالة الضريبية عام 1978 والثانيه استخدمها الرئيس السيسى فى 2018 والتى اعتراض على بعض مواد قانون البحوث الإكلينيكية والتجارب السريرية، ثم عاد سيادته واستخدم حقه الدستورى فى الاعتراض على بعض مواد قانون الإجراءات الجنائية بلغ عددها ثمانى مواد، وعاد الرئيس السيسى لاستخدام حق الاعتراض فى قانون إنشاء جامعة الكيان للعلوم التطبيقية، كل هذا جميل.
ولكن فى اعتقادى أن ظاهرة إعادة بعض مشروعات القوانين أو مراجعة بعض نصوصها قبل التصديق النهائى عليها، تفتح بابًا مهمًا للنقاش حول آليات صناعة التشريع، ومدى توافق النصوص القانونية مع أحكام الدستور، وكذلك قدرتها على الاستجابة للواقع المصرى واحتياجات المواطنين.
وفى هذا السياق، يمكن قراءة انحياز الرئيس للصالح العام وصالح المواطن باعتباره عاملًا حاسمًا فى التعامل مع التشريعات التى ترفع إليه، خصوصًا عندما تكشف المراجعة عن نصوص تحتاج إلى ضبط أو مواد قد تثير إشكالات دستورية أو عملية.
فالغاية فى النهاية ليست إصدار أكبر عدد من القوانين، وإنما إصدار قوانين سليمة دستوريًا، واضحة فى أحكامها، قابلة للتطبيق، ومتوازنة فى آثارها، وتراعى مصلحة الدولة والمواطن معًا.
ولكنى بعد هذا السرد أجدنى أرى أنه يستوجب علىَّ، أن أشكر الرئيس السيسى على الانحياز للوطن والمواطن، وإعلاء قيم المصلحة العليا للبلاد، والشجاعة فى اتخاذ القرارات فى الاعتراض على بعض القوانين والمتغيا فيها السلامة الدستورية والقانونية، ولكنى أجد لزاما علىَّ أن أشكر دولة المؤسسات ابتداءً من مكتب سيادته بقيادة المستشار الجليل عمر مروان وكذا السادة المستشارين القانونيين والفنيين والسياسيين، التى تبسط تحت بصر الرئيس الحلول والرأى القانونى السديد، وتساهم فى صناعة القرار الرئاسى أو مراجعته قبل اتخاذ القرار النهائى فيه.
فالرئيس وفريقه من المستشارين لا يعملون من فراغ، ولا تصل إليه مشروعات القوانين والقرارات باعتبارها أوراقًا جاهزة للتوقيع فقط، وإنما تمر عادةً عبر مراحل من الدراسة والمراجعة وإبداء الرأى، ويكون لكل جهة أو شخصية دور فى كشف جوانب قد لا تظهر عند القراءة الأولى.
كل الشكر لرجال مصر المخلصين الذين قدموا الرأى السديد بما يتوافق مع الدستور والقانون، وشكرى لرجال حول الرئيس هنا ليست أشخاصا فقط بقدر ما هى محاولة لاستعراض منظومة صناعة القرار: من يراجع؟ من يقدم الرأى القانوني؟ وكيف تتحول الملاحظات إلى تعديلات تحافظ على هدف وفلسفة القانون، وفى الوقت نفسه تمنع أن يتحول النص التشريعى إلى مصدر لمشكلة جديدة؟
أقولها ابتغاء مرضاة الله وللحديث بقية مادام فى العمر بقية.
المحامى بالنقض
رئيس الهيئة البرلمانية لحزب الوفد بمجلس الشيوخ
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض