خارج المقصورة
ربما لم يكن التراجع الحاد الذى شهدته البورصة خلال الجلسات القليلة الماضية مفاجأة، أو حدثًا غير متوقع، بعدما وصلت المؤشرات إلى قمم تاريخية خلال الأسابيع الأولى من سبتمبر 2026.. فموجة الصعود العمودية التى دفعت المؤشرات إلى هذه المستويات القياسية كانت تحمل، فى طياتها، إشارات واضحة إلى احتمالات حدوث عملية تصحيح عنيفة، خاصة أن جانبًا من الارتفاعات لم يكن يستند إلى أساس قوى، بقدر ما اعتمد على تحركات المضاربين والمتلاعبين.
ساعد على اتساع هذه التحركات أن الأفراد يمثلون شريحة كبيرة من المتعاملين فى السوق، بما يفوق فى بعض الفترات تأثير المؤسسات، وهو ما يجعل صغار المستثمرين الأكثر تعرضًا للخسائر عندما تنقلب دفة السوق من الصعود إلى الهبوط.
بعيدًا عن الخسائر التى تكبدها أصحاب التجارب الأولى فى البورصة، ممن وجدوا أنفسهم أمام تراجعات حادة وخسائر لم يعتادوا عليها، فإن الخطر الأكبر يكمن فى أن يخرج هؤلاء من السوق فى صمت، محملين بانطباع سلبى و«ناقمين» على تجربة الاستثمار فى الأسهم، وربما لا يعودون إليها مرة أخرى.
تزداد خطورة الأمر عندما يتعلق بشريحة من الشباب الذين يدخلون السوق دون مرشد أو إطار واضح يساعدهم على اتخاذ قراراتهم الاستثمارية، ويتركون فى كثير من الأحيان لتقديراتهم الشخصية، أو يتعاملون مع بعض شركات السمسرة التى لا تقدم لهم بالقدر الكافى من التوجيه، وكأن الرسالة ببساطة: «اتعامل مع نفسك».
الأكثر تعرضًا للضرر فى موجة الهبوط الأخيرة، هم أولئك الذين توسعوا فى الاقتراض بضمان الأسهم، فيما يعرف بـ«المارجن»، حيث يمكن للخسائر أن تتضاعف بصورة سريعة، وقد يصل الأمر إلى تآكل أجزاء كبيرة من المحافظ الاستثمارية، أو حتى تبخرها فى بعض الحالات، فى المقابل، فإن المستثمر الذى دخل السوق بأمواله الخاصة، بعيدًا عن الاقتراض والشراء الهامشى، ولم يسارع إلى التخلى عن أسهمه تحت ضغط الخوف، تظل لديه فرصة أكبر لامتصاص الخسائر وانتظار تعافى السوق وعودة الأسعار إلى الارتفاع.
الكارثة الحقيقية أن بعض المتلاعبين فى عدد من الأسهم سيئة السمعة، تمكنوا وسط كل هذه الخسائر من الخروج بمكاسب ضخمة. فقد عملوا على التأثير فى حركة هذه الأسهم ودفعها صعودًا، حتى وصلت إلى قمم الارتفاعات، قبل أن يرسموا الفخ أمام صغار المستثمرين الذين «ابتلعوا الطعم»، لتتحول المضاربات فى النهاية إلى مكاسب بملايين الجنيهات لصالح هؤلاء المتلاعبين، بينما تحمل صغار المتعاملين فاتورة المخاطرة والخسارة.
السؤال: أين كانت البورصة، وأين كان القائمون على ملف سوق المال بالهيئة العامة للرقابة المالية، من هذه التحركات؟ كيف تمكنت مثل هذه الممارسات من الاستمرار فى أسهم يعرفها كثيرون، ويعرف المتعاملون طبيعة ما يدور عليها، دون أن تحظى بالقدر الكافى من المتابعة والتدقيق؟
لا أعرف تحديدًا أين كانوا، لكن ما أخشاه أن يكون بعض المسؤولين عن ملف سوق المال منشغلين بملفات ومشكلات أخرى تتعلق بهم، بصورة قد تسحب من رصيد التركيز، وأن يبعدوا أنفسهم عن كل ما يمكن أن يضعهم فى دائرة القيل والقال، لأن سوق المال لا يحتمل مزيدًا من فقدان الثقة.
< يا سادة.. كل ما يهم الآن هو الحفاظ على أموال صغار المستثمرين، والتعامل بجدية مع أى ممارسات من شأنها الإضرار بهم أو استغلال اندفاعهم وقلة خبرتهم.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض