بدون رتوش
مع حلول ذكرى نصر أكتوبر المجيد، تعود إلى الذاكرة المصرية واحدة من أعظم صفحات التاريخ، حين وقف أبناء الوطن صفًا واحدًا دفاعًا عن الأرض والكرامة، وقدم أبطال القوات المسلحة نموذجًا خالدًا فى التضحية والانتماء والإيمان بأن الوطن يستحق أن نبذل من أجله كل غالٍ ونفيس. ولم يكن نصر أكتوبر مجرد انتصار عسكرى، وإنما كان درسًا للأجيال فى معنى العزة والكرامة، وقيمة الإرادة حين تتحول إلى عمل وإصرار.
ولا شك أن الانتماء إلى الوطن لا يُقاس فقط بحمل السلاح أو خوض المعارك؛ فلكل جيل معركته، ولكل إنسان دوره فى حماية وطنه وبناء مستقبله. فإذا كان جندى أكتوبر قد دافع عن الأرض بسلاحه، فإن الطالب يستطيع أن يدافع عن مستقبل بلاده بالعلم، والمعلم برسالته، والطبيب بإخلاصه، والمهندس بإتقانه، والعامل بعرقه، وكل مواطن بأمانته واحترامه للقانون وحرصه على المصلحة العامة.
ومن هنا تبدأ مسئوليتنا فى تربية النشء على حب الوطن، لا باعتباره مجرد كلمات تُردد فى المناسبات، وإنما قيمة تُمارس فى الحياة اليومية. أن نعلم أبناءنا احترام وطنهم ومؤسساته، والمحافظة على ممتلكاته، واحترام الآخرين، وإتقان العمل، والحرص على النجاح؛ لأن تقدم الوطن لا تصنعه الشعارات، وإنما تصنعه عقول أبنائه وسواعدهم وضمائرهم.
كما أن غرس معنى العزة والكرامة فى نفوس الأبناء يبدأ من الأسرة قبل المدرسة. فالطفل الذى يتعلم احترام نفسه واحترام الآخرين، والتمسك بالحق، وتحمل المسئولية، والاعتزاز بتاريخه وثقافته، ينشأ أكثر قدرة على فهم معنى المواطنة الحقيقية. ولهذا ينبغى أن نقدم له نماذج وطنية مشرفة، وفى مقدمتها أبطال أكتوبر، حتى يدرك أن التضحية من أجل الوطن ليست مرتبطة بزمن أو ميدان واحد، وإنما قد تكون علمًا، أو اختراعًا، أو نجاحًا، أو عملًا مخلصًا يضيف إلى بلاده الخير الكثير.
إن حب الوطن الحقيقى هو أن نسعى إلى أن يكون غدُه أفضل من يومه، وأن نمنح أبناءنا العلم والوعى والثقة، ونزرع فيهم طموحًا لا حدود له، ليصبحوا قوة تدفع مصر إلى الأمام. فالأوطان لا تُحفظ فقط بالبندقية، وإنما أيضًا بالعلم والعمل والأخلاق.
وفى ذكرى أكتوبر، يبقى أعظم ما نقدمه لأبطال هذا النصر أن نحمل رسالتهم إلى الأجيال الجديدة والتى تؤكد على أن مصر وطن يستحق الحب، وأن العزة والكرامة مسئولية، وأن الدفاع عن الوطن قد يكون فى ميادين القتال، وقد يكون كذلك فى مدرجات الجامعات، والمعامل، والمصانع، والمستشفيات، وكل موقع عمل يسهم فى بناء مستقبلها. وهذا هو الانتماء الحقيقى الذى لا ينتهى.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض