رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

لا توجد منطقة فى العالم تعج بهذا الكم من التوترات العرقية الدامية مثل منطقة القرن الإفريقى، تشير آخر التقديرات الأممية إلى استمرار كارثة النزوح القسرى التى أضحت مزمنة وعصية على الحل حيث يوجد نحو 45 مليون مواطن إفريقى يعيشون فى مخيمات اللاجئين بسبب العنف الدامى للصراعات المسلحة والاضطهاد العرقى، فيما تستحوذ 7 دول بمنطقة شرق إفريقيا، بينها إثيوبيا والسودان والصومال وجنوب السودان وإريتريا على نحو 85% من إجمالى هذا العدد، وللأسف يتجدد حاليًا القتال فى إثيوبيا بين جبهة تحرير تيجراى وحكومة آبي أحمد بالرغم من إبرام اتفاق بريتوريا للسلام الذى أنهى فى نوفمبر 2022 حربًا ضروسًا استمرت لمدة عامين خلفت مئات الآلاف من القتلى والجرحى والنازحين من الجانبين.
يمثل هذا التصعيد الخطير مرحلة حاسمة فى بقاء إثيوبيا أو انفصالها إلى ثمانى دويلات، ولأول مرة فى تاريخ هذا الصراع القديم يتحالف خصوم الأمس القريب؛ فقد أعلنت سبع قوى سياسية مسلحة منذ أيام قليلة تدشين تحالف جديد تحت اسم «تحالف قوى الشعب الإثيوبى من أجل البقاء»، ذكرت فى بيانها الأول إن إثيوبيا تمر بأزمة سياسية وأمنية واقتصادية، متهمة حكومة آبي أحمد بالتسبب فى استمرار الحروب العرقية وتدهور الأوضاع المعيشية فى البلاد، وفرض ما وصفته بـ«حكم استبدادى»، إلى جانب انتهاك حقوق الشعوب الإثيوبية.
لذلك فالهدف الأساسى للتحالف الوليد هو إسقاط حكم حزب الازدهار بقيادة آبي أحمد ومن ثم الولوج إلى مرحلة انتقالية لإرساء دعائم الأمن والسلام بوقف تلك الحروب العبثية عن طريق معالجة حقيقية لجذور الأزمات السياسية والاجتماعية بضمان الحقوق والحريات العامة من أجل حماية وحدة الدولة الفيدرالية وتشكيل حكومة انتقالية شاملة تعمل على إصلاح دستورى ديمقراطى.
تأتى هذه التطورات المتسارعة فى ظل تشابك أزمات مختلفة لأديس أبابا مع كل جيرانها، ويبدو أن ملابسات وظروف التحالف السباعى الجديد مختلفة تمامًا عن التحالفات التى قادتها الحركة الشعبية لتحرير تيجراى فى مواجهة طويلة وصعبة ضد نظام منجستو هيلا مريام الديكتاتورى 1974–1987، ولا شك أن المقارنة التاريخية تظل مهمة لفهم دلالات جذور ومآلات الصراع.
فجبهة تيجراى فى ذلك الوقت لم تكن قوة عسكرية كبيرة، فهي كانت تشكل 6% فقط من عدد السكان البالغ 138 مليون نسمة، بل كانت جزءًا من تحالف سياسى وعسكرى أوسع ضم قوى من مناطق وقوميات مختلفة، لكن اليوم السياق الزمنى والجغرافى والاقليمى ليس مواتيًا لحسم سريع، فطول مدة حكم آبي أحمد جعلته يمسك بزمام المبادرة لاسيما فى اكتساب أهمية سياسية للعديد من القوى العظمى والإقليمية، فهو أصبح رهان تلك القوى التى لديها أجندات جيوسياسية واقتصادية متباينة، أبرزها سياسة بناء السدود من أجل تسعير المياه مثل النفط كورقة ضغط استراتيجية على دول المصب.
التحرك المفاجئ للتحالف للاستيلاء على الطريق الدولي الذى يربط بين جيبوتى وإثيوبيا الحبيسة سوف يفرض على أديس أبابا حصارًا خانقًا، ما جعل آبي أحمد المأزوم يحاول بغباء سياسى الهروب إلى الأمام بإلقاء اللوم على أطراف خارجية؛ فقد اتهم رئيس أركان جيشه كلا من إريتريا ومصر والسودان بتقديم دعم عسكرى واستخباراتى للتحالف، لتقوم أديس أبابا بتوريط نفسها فى أزمة دبلوماسية بقطع علاقاتها الدبلوماسية مع أسمرة ثم طرد دبلوماسى مصرى ما أجبر القاهرة على التعامل معها بالمثل.
أعتقد أن ثمة تغييرًا طرأ على شخصية آبي أحمد بعد حصوله غير المستحق على جائزة نوبل للسلام، فقد بات مغرورًا متعجرفًا، ويظهر ذلك بجلاء فى مواقفه وتصريحاته السياسية التى لا تتناسب مطلقًا مع حجم قوة وإمكانيات إثيوبيا المتواضعة، وحتى لغة الجسد المتضخمة كانت مثار سخرية وانتقادات شديدة.
يبدو أن إحساسه الكاذب بأنه أصبح قائد إفريقيا الأول جعله مثل دون كيشوت يحارب طواحين الهواء فى الداخل والخارج؛ فهو يريد تغيير النظام السياسى البرلمانى الفيدرالى إلى نظام جمهورى استبدادى وإلغاء المادة 39 فى الدستور الإثيوبى التى تمنح الأقاليم حق الانفصال، بالإضافة إلى تفشى الفساد المالى بتكريس الموارد المتواضعة أساسًا لتجميل العاصمة والثراء الفاحش لحاشيته ونخبته من عرقية زوجته الأورومية فى بلد يأن من الفقر والبطالة، فهنالك 15 مليون إثيوبى يعانون من المجاعة وحوالى 5 ملايين نازح داخل بلادهم و71 مليونًا يعيشون فى ظلام دامس و92% من الأسر لا زالت تعتمد على الحطب فى الطبخ!!
لم تمنعه كل هذه الأزمات الداخلية من الدخول فى توترات متزامنة مع كل محيطه الخارجي، خاصة العدو اللدود إريتريا بسبب رغبته فى منفذ بحرى، وأزمة مفتعلة مع الصومال بسبب اعترافه بصوماليلاند الانفصالية، والتدخل السافر فى شئون السودان بدعم ميليشيات الدعم السريع التى تنطلق من معسكرات داخل إثيوبيا، وأزمة سدود المياه غير الشرعية مع كينيا ومصر.
ما يحول بين سقوط آبي أحمد وتقسيم إثيوبيا هو ذلك الدعم السخى سواء العسكرى أو الاقتصادى من بعض القوى الدولية والإقليمية، لكن المؤسف وغير المفهوم أو المبرر هو استماتة بعض الأشقاء فى حماية وبقاء ذلك النظام المجرم الذى يقتل ويجوع شعبه، وفى نفس الوقت يريد الإضرار الجسيم بتعطيش السودان ومصر. لله در القائل:
وإخوانٍ حسِبتُهُمُ دروعًا * فكانوها ولكن للأعادي وَخِلْتُهُمُ سهامًا صائباتٍ * فكانوها ولكن فى فؤادي
(تنويه للتعديلات: شمل التصحيح ضبط همزات القطع والوصل، إضافة التنوين الصريح للكلمات المنصوبة مثل "حصارًا/مغرورًا/تمامًا"، ضبط كتابة الأعداد وتأنيثها/تذكيرها حسب القواعد النحوية، تصحيح الأخطاء الإملائية مثل "أصبح/يأن/لله در"، وإزالة الياء المنقوطة "ى" من أواخر الكلمات لتجنب الياء الشامية بناءً على طلبك).