تحالفات جديدة فى عالم «ما بعد ترامب»
«القوى المتوسطة» تبحث عن حماية خارج المظلة الأمريكية
بينما يستعد قادة العالم للاجتماع السنوى للجمعية العامة للأمم المتحدة، تتسارع التحولات فى النظام الدولى، مع اتجاه دول عديدة، خصوصا الحلفاء التقليديين للولايات المتحدة، إلى إعادة ترتيب علاقاتها وتحالفاتها، فى ظل حالة متزايدة من عدم اليقين بشأن سياسة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب.
ويتوقع مراقبون، من بينهم وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة هيلارى كلينتون ووزير الخارجية البريطانى السابق ديفيد لامى، أن يركز ترامب بصورة أكبر على السياسة الخارجية بعد انتخابات التجديد النصفى المقررة فى نوفمبر، خاصة إذا أدت نتائج الانتخابات إلى حالة من الجمود داخل الكونجرس تحد من قدرته على تمرير أجندته الداخلية.
وتشير التجارب السابقة إلى أن الرؤساء الأمريكيين يمكن أن يكثفوا تحركاتهم الخارجية فى المراحل الأخيرة من ولاياتهم. فقد أطلق جورج دبليو بوش زيادة كبيرة فى القوات الأمريكية بالعراق، ونجح بيل كلينتون فى إتمام انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية، بينما ساهم رونالد ريجان فى إنهاء الحرب الباردة.
لكن الرهان على عودة النظام الدولى السابق يبدو أكثر صعوبة، إذ بدأت دول حول العالم فى بناء شبكة واسعة من التحالفات الدبلوماسية والعسكرية والتجارية بهدف تقليل اعتمادها على الولايات المتحدة والتحوط من احتمال التخلى عنها أو جرها إلى صراعات لا تريدها.
ووصف جون بيو، المستشار السابق للسياسة الخارجية لدى أربعة رؤساء وزراء بريطانيين، هذه التحولات بأنها بداية تشكيل «نظام دولى دون العتبة».
وقال مارك ليونارد، مدير المجلس الأوروبى للعلاقات الخارجية، إن الدول تنتقل من مرحلة كانت تسعى خلالها إلى الاندماج داخل منظومة التحالفات الأمريكية والتوافق مع الاستراتيجية الأمريكية، إلى مرحلة جديدة أصبح هدفها الأساسى كيفية حماية نفسها إذا لم تعد واشنطن موجودة إلى جانبها.
وتبرز هذه التحولات فى تجمعات لا تشارك الولايات المتحدة فى قيادتها، مثل مجموعة بريكس ومنظمة شنغهاى للتعاون.
وفى قمة بريكس الأخيرة فى نيودلهى، ركز إعلان مؤلف من 140 فقرة على حماية الاقتصادات وسلاسل الإمداد وأنظمة الدفع من استخدام الشبكات المالية الغربية كأداة ضغط. وقال المعلق الهندى نافروب سينج إن الهدف ليس التخلص من الدولار فورا، وإنما إنشاء مسار تجارى مواز يسمح بمرور النفط والغاز والمنتجات الزراعية والمعادن الحيوية دون الخضوع للرقابة الأمريكية خارج الحدود.
وخلال اجتماع منظمة شنغهاى للتعاون فى بيشكيك، قال الرئيس الصينى شى جين بينج إن غالبية دول العالم لا تريد الصراع والمواجهة، وإنما تسعى إلى مكان متساو على الساحة الدولية من خلال التنمية والتعاون.
وفى الشرق الأوسط، ظهر أحد أبرز أشكال التحالفات الجديدة فى 7 أغسطس، عندما وقعت تركيا وباكستان والسعودية اتفاق مكة، وهو تحالف عسكرى دفاعى قد يعيد تشكيل منظومة الأمن الإقليمى.
وقال المتحدث باسم الخارجية القطرية ماجد الأنصارى إن دول الخليج لا يمكنها الاعتماد وحدها على الولايات المتحدة والتحالفات الدولية، وإن الاعتماد على الذات فى المجال الأمنى أصبح ضروريا.
وتواجه الهند أيضا تداعيات هذه التحولات، إذ تعتمد على الشرق الأوسط فى نحو 60% من احتياجاتها من النفط الخام ونحو 70% من احتياجاتها من الغاز الطبيعى المسال، ما قد يدفعها إلى تطوير شراكات أمنية أكثر قوة فى المنطقة.
وفى أوروبا، تتزايد الدعوات إلى تعاون عسكرى أكثر اعتمادا على القدرات الأوروبية، مع طرح فكرة تعزيز التنسيق بين ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وبولندا وبريطانيا لمواجهة التهديد الروسى.
ومنذ عام 2022، رفعت بولندا ودول البلطيق والدول الاسكندنافية إنفاقها الدفاعى بنسب بلغت 71% و134% و126% على التوالى، بالتزامن مع تزايد الدعوات إلى شراء الأسلحة الأوروبية.
أما كندا، فتواجه بصورة مباشرة تداعيات الخلاف مع الولايات المتحدة، خصوصا مع دخول البلدين فى حرب تجارية غير متكافئة بسبب الرسوم الجمركية.
وفى آسيا، تواجه كوريا الجنوبية واليابان حسابات أمنية جديدة بعد تقليص الولايات المتحدة مناورات «درع الحرية أولتشي» مع سول من 11 يوما إلى خمسة أيام فى أغسطس، بناء على قرار من ترامب، الذى أشار إلى التكاليف ورغبته فى تحسين العلاقات مع الزعيم الكورى الشمالى كيم جونج أون، إلى جانب موقف سول من الحرب على إيران.
وفى المقابل، يرى كورت كامبل، نائب وزير الخارجية الأمريكى السابق، أن التحالفات الأمريكية يمكن إعادة بنائها، متوقعا انتعاش الحوار والتفاؤل خلال الشتاء. لكن اتجاها آخر يرى أن تغيرا جوهريا وقع بالفعل، وأن النظام عبر الأطلسى القديم لن يعود إلى صورته السابقة.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض